حزب الله بعد العاصفة
إعادة ترتيب داخلية بين ارتباك الهزيمة وضغوط الداخل والخارج
لم يعد الحديث عن تغييرات داخل حزب الله مجرّد تكهّنات أو تسريبات إعلامية عابرة. المؤشرات المتداولة، سواء عبر أوساط سياسية قريبة من الحزب أو عبر إعلاميين محسوبين عليه، توحي بأن مرحلة إعادة ترتيب البيت الداخلي قد بدأت فعلاً، وإن من دون إعلان تنظيمي واضح أو بيان رسمي يحدّد طبيعة ما يجري.
هذه التحركات تأتي في لحظة إقليمية ولبنانية دقيقة، أعقبت حرباً مع إسرائيل وُصفت بأنها الأقسى على الحزب منذ تأسيسه. الخسارة لم تكن عسكرية فحسب، بل كشفت عن اختراقات أمنية وتنظيمية عميقة، وأثارت تساؤلات داخل البيئة الحاضنة حول آليات القرار والأداء والجاهزية. لذلك، تبدو التغييرات المطروحة أقرب إلى مراجعة اضطرارية منها إلى خطوة اعتيادية ضمن دورة تنظيمية طبيعية.
استقالة صفا: مؤشر أم رسالة؟
الشرارة الأولى تمثّلت في تسريب خبر استقالة وفيق صفا من رئاسة “وحدة الارتباط والتنسيق”، وهي من أكثر الوحدات حساسية في بنية الحزب، نظراً لدورها في إدارة العلاقة مع المؤسسات الأمنية والقضائية اللبنانية.
ورغم نفي قيادات في الحزب أي إقصاء سياسي أو تنظيمي، والتأكيد على بقاء صفا ضمن الإطار القيادي، فإن مغادرته هذا الموقع تحديداً لا يمكن فصلها عن السياق العام. فالوحدة كانت على تماس مباشر مع ملفات خلافية كبرى، ما جعلها واجهة صدامية في محطات عدة. وبالتالي، يرى مراقبون أن الخطوة قد تهدف إلى تخفيف حدّة الاحتكاك مع مؤسسات الدولة في مرحلة يُفترض أنها انتقالية وحساسة.
بين انتقال القيادة وتغيير النهج
تأتي هذه التطورات بعد انتقال الأمانة العامة إلى نعيم قاسم، في لحظة تعيد فيها القيادة الجديدة تقييم المرحلة السابقة. بحسب قراءات سياسية، فإن أي انتقال قيادي بهذا الحجم يستتبع بطبيعة الحال إعادة توزيع أدوار، وإعادة تشكيل فريق عمل ينسجم مع رؤية الأمين العام الجديد وأسلوبه.
لكن ما يميّز اللحظة الراهنة أن إعادة الترتيب لا تجري في ظروف عادية، بل تحت ضغط اتفاق وقف إطلاق النار، وتنامي الدعوات الداخلية لحصر السلاح بيد الدولة، وتحوّل المزاج الإقليمي. كل ذلك يفرض على الحزب مراجعة أولوياته، سواء على مستوى الخطاب أو على مستوى إدارة الملفات الأمنية والسياسية.
تياران داخل الحزب؟
في موازاة إعادة الترتيب التنظيمي، تتحدث أوساط سياسية عن وجود مقاربتين داخل الحزب:
مقاربة متشددة ترى أن أي تراجع في الخطاب أو في الحضور الميداني قد يُقرأ كضعف، وتدعو إلى التمسك بالنهج السابق ومواجهة الضغوط.
مقاربة أكثر براغماتية تعتبر أن المرحلة تستوجب تخفيف الاحتكاك الداخلي، وتجنّب صدام مباشر مع مؤسسات الدولة، وإعادة التموضع ضمن المشهد اللبناني الجديد.
هذه القراءة لا تعني بالضرورة انقساماً حاداً، لكنها تعكس نقاشاً داخلياً حول كيفية إدارة مرحلة ما بعد الحرب، في ظل بيئة داخلية لم تعد مطابقة لما كانت عليه قبل سنوات.
تغييرات أمنية وإعلامية
الحديث عن إعادة الهيكلة لا يقتصر على “وحدة الارتباط والتنسيق”. فثمة تداول بأسماء وأدوار جديدة في مفاصل أمنية وإعلامية، في محاولة لمعالجة الثغرات التي ظهرت خلال الحرب الأخيرة، خصوصاً في ما يتعلق بالأداء الأمني وسلسلة الاغتيالات التي طالت كوادر وقيادات.
كما يُتداول بإعادة تنظيم الهرمية السياسية داخل الكتلة النيابية والمؤسسات الإعلامية، بهدف توحيد الرسائل وضبط الخطاب، بعدما برزت تباينات في إدارة السردية خلال المواجهة الأخيرة.
سؤال السلاح والهوية
يبقى السؤال الأكبر: هل ما يجري إعادة هيكلة تقنية أم مراجعة استراتيجية أعمق؟
الواقع أن مسألة السلاح تبقى العقدة المركزية. فالتخلّي عنه يعني تغييراً جذرياً في هوية الحزب ودوره، فيما الإبقاء عليه في مناخ داخلي وإقليمي متبدّل يفرض كلفة سياسية وأمنية متزايدة.
بعض المحللين يرون أن قرار السلاح يتجاوز الإطار اللبناني ويرتبط بالحسابات الإقليمية الأوسع، خصوصاً بالعلاقة مع طهران. في المقابل، يطرح آخرون تساؤلاً وجودياً: هل يستطيع الحزب أن يتحول إلى حزب سياسي لبناني كامل الالتزام بمؤسسات الدولة، أم أن بنيته العقائدية والتنظيمية تجعل هذا التحول بالغ الصعوبة؟
مشهد مفتوح
حتى اللحظة، تبدو الصورة غير مكتملة. لا إعلان رسمياً عن تغيير جذري، ولا مؤشرات حاسمة على مراجعة شاملة. ما يجري يمكن قراءته إما كخطوة لإعادة إنتاج التنظيم بوجوه وأدوار جديدة، أو كبداية مسار أعمق قد يعيد تعريف موقع الحزب في المعادلة اللبنانية.
في كل الأحوال، تبقى ملامح المرحلة المقبلة رهناً بتطورات إقليمية أكبر، وباتجاه المواجهة أو التهدئة بين القوى الفاعلة في المنطقة. وبين إعادة الهيكلة وإعادة التموضع، يقف حزب الله أمام مفترق قد يحدد مستقبله لعقد قادم على الأقل.



