لبنان على حافة معادلة السلاحين
توازن هش بين إرث الميليشيات وضغوط حصرية القوة بيد الدولة
المشهد الأمني
لم يكن توقيت عملية خطف القيادي في الجماعة الإسلامية عطوي عطوي من جنوب لبنان حدثا عابرا، بل حمل دلالات تتجاوز الشخص المستهدف إلى رسائل ميدانية أوسع تتصل بمستقبل المشهد الأمني اللبناني. العملية التي نسبها الجيش الإسرائيلي إلى نشاطات معادية على الجبهة الشمالية أعادت تسليط الضوء على واقع حساس يمر به لبنان، حيث تتقاطع الحسابات الإقليمية مع توازنات الداخل.
معادلة الفراغ المحتمل
تأتي الحادثة في لحظة يعاني فيها حزب الله تداعيات عسكرية وسياسية بعد خسائر قاسية، بينما تتحرك الدولة اللبنانية - تحت ضغوط داخلية وخارجية - لتكريس مبدأ حصرية السلاح بيدها. غير أن هذا المسار يواجه عقبات مع استمرار رفض الحزب حصر سلاحه شمال الليطاني وبقاء نقاط عسكرية إسرائيلية جنوب البلاد. في هذا السياق يبرز سؤال جوهري: إذا تراجع الدور العسكري للحزب، فهل تظهر قوى أخرى تحاول ملء الفراغ؟
ذاكرة السلاح السنّي
العمل المسلح ذي الطابع السنّي ليس ظاهرة جديدة في لبنان. تاريخ البلاد شهد تنظيمات سنّية عدة حملت السلاح، خاصة قبل صعود حزب الله في الثمانينيات. من أبرزها حركة الناصريين المستقلين - المرابطون، التي شاركت في الحرب الأهلية وواجهت إسرائيل عام 1982، إضافة إلى الجناح العسكري للجماعة الإسلامية المعروف باسم قوات الفجر الذي برز خلال الاجتياح الإسرائيلي ثم عاد اسمه في محطات لاحقة.
كما شهدت مدن مثل صيدا وطرابلس تجارب تنظيمية مسلحة، بينها التنظيم الشعبي الناصري وحركة التوحيد الإسلامي، قبل أن يتراجع حضورها العسكري لاحقا. كذلك ظهرت مجموعات متشددة في مراحل مختلفة، مثل تلك التي واجهت الجيش اللبناني في أحداث الضنية عام 2000. ورغم هذا التاريخ، لم يتحول السلاح السنّي يوما إلى قوة موازية للدولة على مستوى النفوذ الوطني.
توازن ما بعد الطائف
اتفاق الطائف عام 1989 نص على حل الميليشيات، لكن سلاح حزب الله استُثني بذريعة استمرار الاحتلال الإسرائيلي آنذاك، ما أرسى واقعا أمنيا خاصا استمر لعقود. ومع تغير الظروف الإقليمية وتراجع قدرات الحزب مؤخرا، عاد ملف حصر السلاح بيد الدولة إلى الواجهة، في وقت يحاول الجيش اللبناني تنفيذ خطة تدريجية في هذا الاتجاه.
سلاح الفلسطينيين والعامل الخارجي
ملف السلاح لا يقتصر على القوى اللبنانية، بل يشمل أيضا الفصائل الفلسطينية داخل المخيمات وخارجها. ورغم دعوات رسمية فلسطينية لإغلاق هذا الملف، فإن تنفيذه يواجه تعقيدات سياسية وأمنية. كما أن دعوات سابقة لتجنيد فلسطينيين في لبنان ضمن معارك إقليمية أثارت مخاوف من جر البلاد إلى صراعات جديدة.
غياب البيئة الحاضنة
يرى مراقبون أن أي انتقال من العمل السياسي إلى العمل المسلح يحتاج إلى ثلاثة شروط - غطاء شعبي واسع، دعم إقليمي، وفراغ أمني فعلي. هذه العناصر لا تبدو متوافرة حاليا داخل البيئة السنّية اللبنانية التي شهدت تحولا واضحا نحو أولوية الاستقرار الداخلي وتعزيز مفهوم الدولة. ويستدل على ذلك بغياب أي حراك شعبي يطالب بفتح جبهات عسكرية، إضافة إلى عدم وجود تنظيم يمتلك قدرات بشرية أو مالية تضاهي ما امتلكه حزب الله سابقا.
رسائل العمليات الأمنية
تحمل العمليات الأمنية في الجنوب رسائل ردع واضحة لأي جهة قد تفكر بإطلاق عمليات عسكرية من الأراضي اللبنانية. ويرى محللون أن أي تحرك من هذا النوع لا يمكن أن يتم من دون حسابات دقيقة تتعلق بردود الفعل الإسرائيلية واحتمالات التصعيد، ما يجعل هامش المبادرة محدودا للغاية.
خلاصة المشهد
يقف لبنان أمام مفترق حساس - بين إرث طويل من السلاح غير الرسمي، ومسار سياسي يسعى لتكريس سيادة الدولة. ورغم تعدد القوى واللاعبين، تبقى المعادلة الأساسية ثابتة: حصرية السلاح بيد الدولة ليست شعارا سياسيا بل شرطا وجوديا لاستقرار البلاد.



