القوى الأمنية السورية بين الدولة والجهاد: اختبار الهوية والانضباط
هجوم تدمر يفتح ملف الاختراقات، ودمج الفصائل يضع السلطة الجديدة أمام معضلة العقيدة والولاء
على أطراف مدينة تدمر، تحوّل حدث أمني كان يُفترض أن يمرّ بهدوء إلى لحظة كاشفة لتعقيدات المرحلة السورية الجديدة. وابل رصاص استهدف قوات أميركية وعناصر من الأمن السوري، وأسفر عن مقتل جنديين أميركيين ومدني أميركي، إضافة إلى إصابات. لكن الصدمة لم تكن في الخسائر وحدها، بل في هوية المنفّذ ودلالاتها.
أعلنت وزارة الداخلية السورية أن مطلق النار عنصر في الأمن السوري مرتبط بتنظيم داعش. إعلان أعاد إلى الواجهة أسئلة شديدة الحساسية حول حجم الاختراقات داخل الأجهزة الأمنية الناشئة، وحدود السيطرة، وقدرة السلطة الجديدة على بناء مؤسسة أمنية منضبطة بعقيدة وطنية واضحة.
دمج سريع وأسئلة مؤجلة
ضمن مسار المرحلة الانتقالية، دعا الرئيس السوري أحمد الشرع الفصائل المسلحة إلى حلّ تشكيلاتها ودمجها ضمن مؤسسة عسكرية واحدة تحت مظلة وزارة الدفاع. وفي 17 مايو، أعلن وزير الدفاع مرهف أبو قصرة دمج الوحدات العسكرية بهدف توحيد البنية العسكرية، مع مهلة للفصائل المتبقية وتحذير من تبعات قانونية على المتخلّفين.
غير أن مراقبين يرون أن وتيرة الدمج السريعة لم تترافق مع تدقيق معمّق في الخلفيات الفكرية والسياسية للمنتسبين. هذا الخلل سمح، بحسبهم، بانضمام عناصر تحمل توجهات سلفية جهادية إلى قوى أمنية يُفترض أنها تمثل الدولة.
الخبير العسكري عصمت العبسي يصف المسار بأنه انتقال فعلي من تعدد التشكيلات إلى هيكل مركزي واحد عبر إعادة هيكلة الفرق وتوحيد الرواتب وفرض الانضباط. لكنه يطرح السؤال الجوهري: هل نحن أمام جيش موحّد أم اتحاد ميليشيات؟ ويرى أن الحسم مرهون باستمرار الدمج على مستوى الأفراد وإغلاق قنوات التمويل والقرار الموازي.
انتهاكات تعمّق الشكوك
مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان رامي عبد الرحمن يوثّق حالات قتل وإعدام ميداني وتجاوزات جسيمة بحق مدنيين وأقليات، ولا سيما في الساحل السوري والسويداء، أسفرت عن مئات الضحايا بينهم نساء وأطفال. كما يشير إلى خطف واعتقالات تعسفية واقتحام حواجز، في ظل فوضى أمنية وانتشار مقاتلين مدمجين دون ضبط فعّال.
هذه الوقائع، وفق مراقبين، تقوّض الثقة بمسار الدمج، وتطرح إشكالية المساءلة داخل مؤسسة لم تكتمل بعد أطرها القانونية والرقابية.
عقيدة غائبة في مرحلة التشكّل
الباحث حسن أبو هنية يرى أن الحديث عن نفوذ التيار الجهادي داخل الجيش الجديد مرتبط بطبيعة مرحلة انتقالية لم تبلغ الاستقرار المؤسسي. ويشير إلى أن المكوّن البشري الأساسي يتشكل من فصائل ذات خلفيات جهادية متنوعة، في مقدمها هيئة تحرير الشام، إضافة إلى مقاتلين أجانب جرى دمجهم لاحقاً، إلى جانب الجيش الوطني السوري السابق المدعوم من تركيا.
هذا الخليط، بحسب أبو هنية، يجعل بناء عقيدة عسكرية موحّدة مهمة طويلة ومعقّدة، خصوصاً في ظل تباين المرجعيات والولاءات، وتداخل الأدوار الإقليمية.
قيادات بخلفيات مثيرة للجدل
تضم بنية الجيش الجديد عدداً من القادة ذوي خلفيات جهادية، بحسب تقارير مراكز بحثية، بينهم وزير الدفاع نفسه وقادة أركان ووحدات بارزة. ويرى العبسي أن هذه الخلفيات قد تعزّز الكفاءة التكتيكية في حرب غير نظامية، لكنها غير كافية لبناء جيش وطني بعقيدة جامعة.
ويحذّر من أن تباين المرجعيات الأيديولوجية والولاءات العابرة للحدود يهدد تماسك أي جيش، مستشهداً بتجارب اليمن وليبيا والسودان. وفي الحالة السورية، يزيد تعقيد المشهد وجود قوى حكم ذاتي مدعومة خارجياً، ما يجعل أي خلل في سلسلة القيادة خطراً مباشراً.
قنبلة موقوتة؟
تذهب دراسات أمنية إلى أن الجيش السوري الجديد أقرب إلى اتحاد ميليشيات تحت مظلة الدولة منه إلى جيش يحتكر استخدام القوة. فالفصائل، رغم الدمج الرسمي، ما تزال تحتفظ بتسلسلها القيادي الداخلي وقدرتها على العمل المستقل وقت الأزمات.
هذا الواقع، مع وجود مقاتلين أجانب وخلفيات فكرية متباينة، يشكّل - بحسب خبراء - قنبلة موقوتة، قد تنفجر عند أول اختبار سياسي أو أمني كبير.
الرئاسة بين البراغماتية والمخاطر
منذ سقوط النظام السابق، حاول أحمد الشرع إعادة تقديم نفسه كرئيس دولة لا كقائد فصيل. تخلّى عن اسمه الجهادي، وفتح قنوات مع الخارج، وأبدى مواقف براغماتية. لكن هذا التحول لم ينعكس بعد بوضوح على بنية الأجهزة الأمنية وولاءات عناصرها.
نانار حواش يحذّر من خطر رفض العناصر الجهادية المتشددة لهذا المسار، وقد ترى في الانفتاح على الغرب خيانة. السيناريوهات المحتملة، برأيه، تتراوح بين تمرد على الأوامر، وانشقاقات فردية نحو داعش، وصولاً إلى تصدعات داخلية أخطر.
وصفات صعبة التنفيذ
يقترح مراقبون جملة إجراءات لغربلة الأجهزة الأمنية وضمان ولائها للدولة: آليات عدلية مستقلة وشفافة، رقابة مدنية وقانونية صارمة، استبعاد المتورطين في انتهاكات، وحماية فعلية للأقليات. كما يدعو آخرون إلى حلّ الوحدات المستقلة، جرد السلاح والأفراد، وإعادة هيكلة شاملة، مع صياغة عقيدة وطنية غير حزبية أو دينية.
لكن الجميع يتفق على أن المهمة شاقة وطويلة، وأن نجاحها مرتبط بمستقبل الدولة السورية نفسها، وبقدرتها على تحويل الدمج الشكلي إلى مؤسسة أمنية وطنية تحتكر السلاح وتخضع للمساءلة. هجوم تدمر لم يكن حادثاً معزولاً، بل إنذاراً مبكراً لثمن التأجيل في معالجة جوهر المشكلة.



