مجزرة في الظل.. إيران تحت القمع والبلاد خارج الشبكة
عشرات الآلاف في الشوارع، أرقام قتلى صادمة، وحصار معلوماتي يخفي حجم الدم
في اليوم التاسع عشر للاحتجاجات التي اندلعت أواخر ديسمبر، تبدو إيران غارقة في واحدة من أعنف موجات القمع في تاريخها الحديث. ما بدأ بإضراب تجار في طهران سرعان ما تحول إلى احتجاجات شاملة، واجهتها السلطات بحملة أمنية غير مسبوقة، وسط تعتيم شبه كامل على الاتصالات، ما جعل حجم ما يجري يتكشف ببطء شديد.
وبينما تتواصل المواجهات في الشوارع، تتزايد التساؤلات حول مستقبل الأزمة، والدور الذي قد تلعبه الولايات المتحدة، في ظل تصريحات متصاعدة للرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي يواصل توجيه رسائل دعم علنية للمحتجين.
قمع واسع وأرقام متضاربة
تشير تقارير حقوقية متقاطعة إلى أن العنف المستخدم ضد المتظاهرين بلغ مستويات استثنائية. منظمة “حقوق الإنسان إيران”، ومقرها النرويج، رفعت تقديراتها لعدد القتلى إلى أكثر من 700 شخص، إضافة إلى آلاف الجرحى. في المقابل، تحدثت مصادر إعلامية ناطقة بالفارسية عن أرقام أعلى بكثير، تصل إلى آلاف القتلى، بينما أقرّت السلطات الإيرانية نفسها بسقوط نحو ألفي قتيل، في رقم يُعتقد أنه يشمل عناصر من الأجهزة الأمنية.
من جانبها، أفادت وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان (HRANA) بأن عدد القتلى تجاوز 2500 شخص منذ بداية الاحتجاجات، في ظل غياب إمكانية التحقق المستقل بسبب القيود المفروضة على الإعلام والإنترنت.
استهداف مباشر وإصابات مروعة
تشير شهادات طبية وتقارير صحافية إلى نمط مقلق في استخدام القوة. فقد وثّق أطباء في طهران مئات الإصابات في العيون نتيجة إطلاق النار، فيما نقلت وسائل إعلام دولية عن أطباء قولهم إنهم لاحظوا تحولا مفاجئا في طبيعة الإصابات، مع استخدام ذخيرة حية وأسلحة رشاشة ثقيلة.
وتحدث أطباء عن استقبال مصابين أُطلق عليهم الرصاص من مسافات قريبة، فيما كانت قوات الأمن تجمع بيانات الجرحى داخل المستشفيات، ما أثار مخاوف من ملاحقات لاحقة.
حصار معلوماتي شامل
بالتوازي مع القمع الميداني، فرضت السلطات الإيرانية إغلاقا شبه كامل للاتصالات، خفّض مستوى الاتصال العام إلى أدنى مستوياته. تعطلت شبكات الهاتف والإنترنت في مناطق واسعة، وتم التشويش على أنظمة تحديد المواقع، إضافة إلى مصادرة أطباق استقبال الأقمار الصناعية.
هذا الحصار لم يمنع فقط تنسيق الاحتجاجات، بل جعل من الصعب توثيق أعداد الضحايا والانتهاكات، وفتح الباب أمام وقوع مجازر بعيدا عن أعين العالم، في ظل إسكات الصحافيين المحليين وغياب التغطية الأجنبية.
رواية رسمية وتهديدات بالإعدام
تواصل السلطات الإيرانية وصف المحتجين بـ”مثيري الشغب” و”عملاء الخارج”، متهمة الولايات المتحدة وإسرائيل بالوقوف خلف الاحتجاجات. في الوقت ذاته، لوّح رئيس السلطة القضائية بإجراءات سريعة، تشمل محاكمات عاجلة وإعدامات، مؤكدا أن “التأخير يفقد العقوبة تأثيرها”.
ومن بين التهم الموجهة للمعتقلين “الحرابة”، وهي تهمة تحمل عقوبات قاسية قد تصل إلى الإعدام، وسط تقارير عن قرب تنفيذ أحكام بحق بعض المتظاهرين.
الاقتصاد والإنترنت.. معضلة النظام
رغم تشديد الحصار، يصطدم النظام بحقيقة أن الاقتصاد الإيراني بات يعتمد بشكل كبير على الإنترنت، سواء في المعاملات المصرفية أو الأعمال الصغيرة. وتشير دراسات إلى أن شريحة واسعة من الإيرانيين تعتمد على المنصات الرقمية كمصدر دخل رئيسي، ما يجعل الإغلاق الطويل غير قابل للاستمرار دون كلفة اقتصادية كبيرة.
ترامب في المشهد
في خضم هذه التطورات، يبرز الدور الأميركي، حيث لوّح الرئيس ترامب باتخاذ “إجراءات قوية” إذا استمرت عمليات القتل. وطرح مراقبون عدة سيناريوهات محتملة، من ضربات محدودة ضد مواقع للحرس الثوري، إلى هجمات سيبرانية، أو تشديد العقوبات الاقتصادية والدعم السياسي للمحتجين.
في المقابل، حذرت طهران من أنها سترد باستهداف قواعد أميركية إذا تعرضت لهجوم.
خاتمة
بعد سبعة وأربعين عاما على العنوان الشهير “الشاه رحل”، تعود إيران إلى لحظة مفصلية أخرى. الاحتجاجات تتسع، القمع يتصاعد، والبلاد تعيش في عزلة معلوماتية خانقة. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل يشهد العالم عنوانا تاريخيا جديدا في عام 2026، أم تنجح السلطة مرة أخرى في إخماد الشارع بالقوة؟



