سوريا بين الانسحابات والاتهامات
الشرع يعزز قبضته شرقاً وسط تبادل الروايات حول سجون داعش ومستقبل “قسد”
غداة إعلان قوات سوريا الديمقراطية (قسد) الانسحاب من محافظتي الرقة ودير الزور، أحكمت القوات الحكومية السورية سيطرتها على مساحات واسعة فيهما، في تطور وُصف بالمفصلي كونه يعيد رسم خريطة النفوذ في الشرق السوري ويمنح دفعة سياسية وعسكرية للرئيس أحمد الشرع بعد أشهر من المراوحة في المفاوضات مع الأكراد.
التحول الأخير يُعدّ الأكبر منذ إسقاط نظام بشار الأسد عام 2024، إذ كانت “قسد” تمسك لسنوات بالمحافظتين ذواتي الغالبية العربية، واللتين تضمان أهم حقول النفط والغاز في البلاد، قبل أن تتراجع تحت ضغط سياسي وعسكري متزامن.
الشدادي والأقطان
اتهمت القيادة العسكرية السورية “قسد” بالتسبب في فرار عدد من عناصر تنظيم داعش من سجن الشدادي في ريف الحسكة، معتبرة أن الانسحاب الكردي خلق فراغاً أمنياً خطيراً. في المقابل، قالت “قسد” إن السجن تعرّض لهجوم من قوات حكومية أفقدها السيطرة عليه، وهو ما نفته دمشق، مؤكدة أنها دخلت المدينة وأعادت تطويق السجن وتعمل على استعادة الفارين.
وفي الرقة، تكررت الاتهامات حول سجن الأقطان، حيث تحدثت “قسد” عن اشتباكات أسفرت عن مقتل وإصابة عدد من مقاتليها، بينما أكدت وزارة الدفاع السورية أن قواتها وصلت إلى محيط السجن وبدأت تأمينه ضمن خطة انتشار أوسع.
بين أنقرة وواشنطن
رحبت تركيا بالاتفاق الموقع بين الشرع وقائد “قسد” مظلوم عبدي، معتبرة أنه يفتح الباب أمام إنهاء الوجود العسكري المرتبط بحزب العمال الكردستاني داخل سوريا. ودعا الرئيس رجب طيب أردوغان إلى تنفيذ سريع لبنود الدمج، في إشارة إلى أولوية أنقرة في تفكيك البنية العسكرية الكردية جنوب حدودها.
في المقابل، واصلت الولايات المتحدة لعب دور الوسيط، مستفيدة من علاقتها المتنامية مع القيادة السورية الجديدة منذ وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، وساعية إلى ضمان انتقال منظم للسيطرة على المناطق التي كانت “قسد” تديرها، خصوصاً تلك التي تضم سجناء من تنظيم داعش.
الاتفاق الجديد
ينص الاتفاق المكوّن من 14 بنداً، والموقع من الشرع وعبدي، على تسليم السجون والمعابر وحقول النفط والغاز إلى الدولة السورية، ودمج مقاتلي “قسد” في وزارتي الدفاع والداخلية كأفراد لا كوحدات مستقلة، إضافة إلى إخراج جميع العناصر غير السورية المرتبطة بحزب العمال الكردستاني.
كما يضع الاتفاق أسساً لإعادة بسط سلطة الدولة المركزية على شرق البلاد، في وقت لم يُحدَّد فيه بعد جدول زمني واضح لتنفيذ البنود الأكثر حساسية، وفي مقدمتها ملف السجون والمخيمات التي تضم آلافاً من مقاتلي “داعش” وعائلاتهم.
بين روايات متضاربة حول ما جرى في الشدادي والأقطان، وضغوط إقليمية ودولية لتسريع دمج “قسد”، تبدو سوريا أمام مرحلة انتقالية دقيقة، عنوانها تثبيت سلطة دمشق شرقاً، واختبار قدرة الاتفاق الجديد على الصمود في وجه تعقيدات الأمن والسياسة في منطقة مثقلة بإرث الحرب.



