التحالف الشيعي السلفي
حين تلتقي الخصومات المذهبية على انتقاص المرأة
يطرح هذا المقال سؤالاً صادماً: كيف يلتقي تياران متخاصمان، السلفية السنية وبعض التيارات الشيعية، على خطاب واحد ينتقص من المرأة، رغم ادعائهما الدائم أن الإسلام كرّمها؟ المفارقة ليست عابرة، بل تكشف تناقضاً بنيوياً في قراءة النص والتراث، وانفصاماً بين الشعارات والممارسات.
إجماع غريب على حساب المرأة
على امتداد تاريخ الخصومة بين التيارين، يتبدّى اتفاق نادر حين يتعلّق الأمر بالمرأة. فالخطابان، على اختلافهما في السياسة والعقيدة، يلتقيان عند فكرة “نقص العقل والدين”، ويعيدان إنتاج تصورات فقهية تجعل من المرأة كائناً أدنى، يُدار ويُراقَب ويُوصَف بوصفه موضع فتنة لا شريكاً في الإنسانية.
يُكثِر الطرفان من ترديد عبارات مثل “الإسلام كرّم المرأة” و”النساء شقائق الرجال”، لكن هذا الكلام يتهاوى عند أول اختبار فقهي أو تأويلي، حيث تُستحضر نصوص منسوبة إلى النبي أو إلى كبار الصحابة والأئمة لتكريس دونية المرأة. هنا يبرز السؤال البديهي: أين التكريم في وصف المرأة بأنها ناقصة عقل ودين؟
التراث الشيعي… مفارقة التأسيس والغياب
الأكثر غرابة أن التراث الشيعي، الذي يقوم رمزياً على امرأة هي فاطمة الزهراء، يقع في التناقض نفسه. فالمذهب الذي يتخذ من فاطمة مركزاً رمزياً وأخلاقياً، يغيب فيه حضور المرأة تماماً عن مفهوم “الإمامة” والقيادة الدينية، ويُعاد فيه إنتاج الخطاب نفسه الذي ينتقص من عقلها وإيمانها.
هذا التناقض لا يمكن فهمه إلا بوصفه نتيجة هيمنة “العقل النصي” المغلق، الذي يقدّم الشروح والتأويلات بوصفها حقائق نهائية، حتى عندما تصطدم بروح القرآن وسياقه العام.
نهج البلاغة وسؤال النسبة
تظهر الأزمة بوضوح في بعض النصوص المنسوبة إلى الإمام علي في “نهج البلاغة”، حيث تُقارَن المرأة بالبهائم والسباع، ويُختزل دورها في الزينة والفساد. السؤال هنا ليس نقد الإمام علي، بل التشكيك في صحة نسبة هذا الكلام إليه. فهل يُعقل أن يصدر عن شخصية بحجم علي بن أبي طالب خطاب يناقض بوضوح مبدأ تكريم الإنسان في القرآن؟
الأمر ذاته يتكرر في شروح “نهج البلاغة”، حيث تُقدَّم المرأة بوصفها ناقصة الإيمان والعقل، ويُقال إن الإيمان الكامل حكر على الرجل. هذه القراءة لا تكتفي بتشويه صورة المرأة، بل تفرغ الدين نفسه من معناه الأخلاقي، وتحوله إلى طقوس حسابية تُقاس بالحيض والطهارة، لا بالعدل والقيم.
القرآن مقابل الفقه
القرآن، عند قراءته ككل، لا يتحدث عن نقصٍ في عقل المرأة أو دينها. الأحكام المتعلقة بالميراث أو الشهادة أو القوامة جاءت في سياقات تاريخية محددة، تعالج واقعاً اجتماعياً كان قائماً، ولم تُطرح بوصفها أحكاماً أبدية لتكريس الدونية.
أما تحويل هذه السياقات إلى قواعد مطلقة، فهو اجتزاء للنص وخيانة لروحه. فلا علمياً ولا إنسانياً يوجد ما يثبت أن المرأة أقل عقلاً من الرجل. بل إن التاريخ والواقع المعاصر يقدمان شواهد لا حصر لها على عكس ذلك.
التاريخ يكذّب الادعاء
في التاريخ الإسلامي نفسه، نجد أم سلمة تشير على النبي في صلح الحديبية فيأخذ برأيها، وتُحل أزمة كبرى. ونجد السيدة عائشة تقود معسكراً كاملاً في موقعة الجمل. فكيف تُتَّهَم المرأة بنقص العقل، ثم يُسار خلفها ويُؤخذ برأيها في أخطر اللحظات؟
أما حجة “نقص الدين” بسبب الحيض، فهي حجة واهية. فالحيض حالة طبيعية، ومنع المرأة من الصلاة أو الصيام خلالها هو حكم تعبدي لا علاقة له بقيمة الإيمان. المريض الذي يُفطر، أو الرجل الذي يمتنع عن الصلاة حتى يغتسل، لا يُوصَفان بنقص الدين. فلماذا تُعامَل المرأة بمكيال مختلف؟
“كيد المرأة”… شهادة ذكاء لا إدانة
حتى الاستشهاد بالآية “إن كيدكن عظيم” يُقلب دلالته. فالكيد العظيم يعني ذكاءً وقدرة على التدبير، لا نقصاً في العقل. المفارقة أن الخطاب نفسه يصف كيد الشيطان بالضعف، ثم يحذّر من المرأة أكثر منه. أي منطق هذا الذي يجمع بين اتهام المرأة بنقص العقل، والاعتراف بقدرتها الفائقة على التخطيط؟
خلاصة
ما نراه ليس دفاعاً عن الدين، بل استخداماً انتقائياً للنصوص لتكريس سلطة ذكورية، تتخفى خلف عمائم ومذاهب متخاصمة ظاهرياً، متحالفة عملياً حين يتعلق الأمر بالمرأة. هذا الخطاب المزدوج لا يسيء إلى المرأة وحدها، بل يسيء إلى الدين نفسه، ويحوّل التكريم إلى شعار فارغ.
المرأة ليست ناقصة عقل ولا دين. النقص الحقيقي هو في عقل من يصرّ على قراءة النص خارج روحه، وفي ضمير من يحوّل الإيمان إلى أداة إقصاء. أما الحكم على دين الناس، فليس لأحد سوى الله.



