مصر وإسرائيل: صفقة الغاز… تجارة أم ورقة سياسية؟
بين الخطاب الاقتصادي في تل أبيب والنفي السياسي في القاهرة، اتفاق الغاز يفتح أسئلة أبعد من الأرقام
لم تمرّ المصادقة الإسرائيلية على صفقة تصدير الغاز إلى مصر كخبر اقتصادي عادي، بل قُدّمت في تل أبيب على أنها إنجاز وطني واستراتيجي، يحمل أبعاداً تتجاوز التجارة والطاقة. غير أن هذا الخطاب الرسمي سرعان ما فتح نقاشاً داخلياً واسعاً في إسرائيل، حول التوقيت والدوافع، وحول ما إذا كانت الصفقة تعزّز الأمن القومي أم تُخضعه لحسابات سياسية وانتخابية.
خلال مؤتمر صحافي مشترك، حرص رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو ووزير الطاقة إيلي كوهين على إبراز الصفقة باعتبارها الأكبر في تاريخ إسرائيل، بقيمة تُقدَّر بنحو 112 مليار شيكل، على أن يدخل ما يقارب 58 ملياراً إلى خزينة الدولة. وربط نتنياهو العائدات بتحسين قطاعات التعليم والصحة والبنى التحتية والأمن، مقدّماً الاتفاق كرافعة اقتصادية لمستقبل الأجيال القادمة.
لكن هذا الربط بين الغاز والأمن لم يكن كافياً لتهدئة الجدل الداخلي، خصوصاً مع غياب أي تفاصيل علنية حول الضمانات الأمنية التي تحدث عنها نتنياهو، ما دفع مراقبين إلى اعتبار الخطاب محاولة لمنح صفقة تجارية طابعاً سيادياً في مرحلة إقليمية شديدة الحساسية.
خطاب رسمي… ونقاش داخلي متصاعد
وزير الطاقة إيلي كوهين وصف الاتفاق بأنه “لحظة تاريخية” تعزز مكانة إسرائيل كقوة طاقة إقليمية، مؤكداً أن الصفقة تضمن أولوية للسوق المحلية واستثمارات تتجاوز 16 مليار شيكل. غير أن هذا الطرح لم ينجح في إغلاق ملف الشكوك داخل إسرائيل.
المحلل الإسرائيلي زيكي يعكوبي رأى أن نتنياهو يوظف الصفقة سياسياً في سياق معركة داخلية، مشيراً إلى أن طريقة عرض الاتفاق للرأي العام تحمل بعداً انتخابياً واضحاً. ولفت إلى أن تصدير كميات كبيرة من الغاز يعيد فتح سؤال الاحتياطات الاستراتيجية، محذّراً من سيناريو قد تجد فيه إسرائيل نفسها، بعد سنوات، دولة مستوردة للطاقة كما حدث سابقاً مع مصر نفسها.
ضغط أميركي وسياق إقليمي أوسع
يتجاوز الجدل في إسرائيل البعد الاقتصادي، إذ يرى مراقبون أن الصفقة جاءت أيضاً نتيجة ضغط أميركي، في إطار تحريك ملفات إقليمية أوسع، من بينها المرحلة الثانية من خطة غزة، ودعم الاستقرار الاقتصادي المصري. هذا البعد السياسي يجعل الاتفاق جزءاً من معادلة إقليمية معقّدة، لا مجرد عقد طاقة.
وبحسب هذا التقدير، يسعى نتنياهو إلى الموازنة بين الضغوط الأميركية من جهة، والحساسية الداخلية تجاه ملف الغاز من جهة أخرى، عبر التركيز على العائدات المالية وتحسين الوضع الاقتصادي، من دون الخوض في الكلفة الاستراتيجية طويلة الأمد.
الصحافة العبرية وتحفّظات غير معلنة
الصحافة الإسرائيلية لم تتجاهل هذه الثغرات. فقد أشارت تقارير إلى أن الاتفاق لا يتضمن التزامات سياسية أو أمنية مكتوبة من الجانب المصري، وأن حديث الحكومة عن “ضمان المصالح الأمنية” يعكس محاولة لطمأنة منتقدي الصفقة في ظل غياب مقابل واضح من القاهرة.
وتحدثت بعض التحليلات عن إمكانية توظيف الصفقة لاحقاً كمدخل لتحرك سياسي ثلاثي يضم إسرائيل ومصر والولايات المتحدة، حتى وإن أصرت القاهرة على حصر الاتفاق في إطاره الاقتصادي.
القاهرة تحسم الجدل: تجارة بلا سياسة
في المقابل، جاء الموقف المصري واضحاً وحاسماً. فقد أكدت القاهرة أن الصفقة تجارية بحتة، خاضعة لقواعد السوق والاستثمار الدولي، ولا تنطوي على أي تفاهمات سياسية. وشددت على أن مصلحة مصر تكمن في تعزيز موقعها كمركز إقليمي لتداول الغاز في شرق المتوسط، مستفيدة من بنيتها التحتية وقدراتها اللوجستية.
كما حذرت مصر من محاولات تسييس الاتفاق، مؤكدة في الوقت ذاته ثبات موقفها الداعم للحقوق الفلسطينية، في فصلٍ واضح بين مسار الطاقة والمواقف السياسية.
صفقة واحدة… قراءتان متناقضتان
في المحصلة، تكشف صفقة الغاز بين مصر وإسرائيل فجوة واضحة بين الخطاب الرسمي الإسرائيلي، الذي يقدّمها كإنجاز استراتيجي، وبين القراءة المصرية التي تحصرها في إطارها التجاري البحت. وبين هذين المسارين، تتحول الأرقام إلى مادة سياسية، ويصبح الغاز أداة ضمن لعبة إقليمية أكبر، تختلط فيها حسابات الطاقة بالانتخابات والضغوط الدولية ومستقبل التوازنات في شرق المتوسط.



