لبنان يتقلص تحت النار… والمنطقة العازلة تفتح باب الاستنزاف
بين التوسع الإسرائيلي وتحذيرات العسكر… هل يتحول الجنوب إلى ساحة حرب طويلة؟
دخلت المواجهة في جنوب لبنان مرحلة غير مسبوقة، مع انتقال إسرائيل من الضربات الجوية إلى توسيع العمليات البرية، في خطوة تعكس تحوّلاً استراتيجياً في إدارة الصراع. ومع إعلان تل أبيب نيتها إنشاء “منطقة عازلة” تمتد حتى نهر الليطاني، تتزايد المخاوف من إعادة رسم الخريطة الميدانية للبنان، وسط تحذيرات من الوقوع في “فخ الاستنزاف”.
واقع جديد على الحدود
في أواخر مارس، أعلنت إسرائيل عملياً بدء مرحلة جديدة من الحرب، عبر التوغل البري وتوسيع نطاق العمليات داخل الأراضي اللبنانية. وترافقت هذه الخطوة مع تصريحات رسمية تتحدث عن هدم قرى حدودية ومنع عودة السكان، في إطار فرض منطقة عازلة تهدف، بحسب الرواية الإسرائيلية، إلى إبعاد تهديد حزب الله عن شمال البلاد.
لكن هذا التوجه لا يعني فقط إجراءً عسكرياً مؤقتاً، بل يعكس محاولة لإحداث تغيير طويل الأمد في الواقع الجغرافي والأمني جنوب لبنان.
“فخ الاستنزاف” يلوح في الأفق
رغم التفوق العسكري الإسرائيلي، يحذر عسكريون من أن البقاء داخل الأراضي اللبنانية قد يتحول إلى عبء استراتيجي. فالقوات المنتشرة في مناطق مفتوحة أو مأهولة ستصبح أهدافاً دائمة لهجمات خاطفة وكمائن، وهي الاستراتيجية التي تعتمدها القوى غير النظامية في مواجهة جيوش متفوقة.
هذا ما يُعرف بـ”فخ الاستنزاف”، حيث تتحول السيطرة الميدانية إلى مصدر خسائر مستمرة، قد تقوّض المكاسب العسكرية مع مرور الوقت.
معركة بلا حسم سريع
تشير التقديرات إلى أن القتال في الجنوب لا يشبه الحروب التقليدية، بل يجري داخل بيئة معقدة من القرى والمناطق المدنية، التي تتحول إلى ساحات اشتباك.
وفي الوقت الذي يركز فيه سلاح الجو الإسرائيلي على أهداف استراتيجية مرتبطة بإيران، تجد القوات البرية نفسها أمام معركة طويلة بأدوات محدودة، ما يزيد من صعوبة تحقيق حسم سريع.
لبنان… دولة تتآكل جغرافياً
على الجانب اللبناني، تبدو الأزمة أعمق من مجرد مواجهة عسكرية. فالتوسع الإسرائيلي يطرح تساؤلات حول السيادة، مع حديث عن تقلص فعلي في مساحة الدولة نتيجة فرض المنطقة العازلة.
هذا الواقع يعكس، وفق تقديرات عسكرية لبنانية، خللاً بنيوياً في قدرة الدولة على فرض سيطرتها، ما يفتح الباب أمام تغييرات قد تصبح دائمة في حال استمرار الوضع الحالي.
غياب الدولة وتعقيد الحل
يتفق عدد من الخبراء على أن جوهر الأزمة لا يكمن فقط في ميزان القوة مع إسرائيل، بل في ضعف مؤسسات الدولة اللبنانية، وعجزها عن احتكار القرار الأمني.
وفي ظل هذا الواقع، تبدو الحلول المطروحة معقدة، بين دعوات لتدخل دولي، وأخرى لإعادة بناء الدولة من الداخل، وسط مخاوف من أن يتحول الجنوب إلى منطقة خارجة عن السيطرة الفعلية لبيروت.
تقاطع التحذيرات
رغم اختلاف المواقف، يلتقي التقييمان العسكريان الإسرائيلي واللبناني عند نقطة أساسية: أن استمرار الوضع الحالي دون معالجة سياسية أو استراتيجية واضحة قد يقود إلى حرب طويلة الأمد.
فإسرائيل تواجه خطر الاستنزاف، ولبنان يواجه خطر فقدان المزيد من سيادته.
الخلاصة
ما يجري في جنوب لبنان لم يعد مجرد جولة عسكرية، بل تحول إلى صراع مفتوح على الجغرافيا والقرار والسيادة.
وبين مشروع “المنطقة العازلة” ومخاطر “فخ الاستنزاف”، يقف لبنان أمام لحظة مفصلية قد تعيد رسم حدوده ودوره في المنطقة لسنوات طويلة قادمة.



