عقيدة “الحسم” تعود إلى الواجهة
إسرائيل تعيد رسم استراتيجيتها في لبنان بين الردع والسيطرة الميدانية
تشهد إسرائيل تحوّلاً متسارعاً في مقاربتها للجبهة اللبنانية، مع تصاعد النقاش داخل دوائر القرار حول جدوى السياسات السابقة، والانتقال نحو خيارات أكثر “حسماً” على الأرض. فبعد عقود من الاعتماد على الانسحاب والاتفاقات، يبدو أن المؤسسة العسكرية تعيد تعريف قواعد الاشتباك بالكامل.
نهاية “عقيدة الانسحاب”؟
يقول العميد الاحتياط والمحلل العسكري الإيراني أورتال إن السياسة التي اتبعتها إسرائيل منذ عام 2000 - القائمة على الانسحاب واحتواء التهديد - لم تحقق أهدافها.
فبحسب هذا التقييم، تحولت المناطق التي انسحبت منها إسرائيل، سواء في جنوب لبنان أو قطاع غزة، إلى منصات لشن هجمات، وهو ما عزّز القناعة داخل المؤسسة الأمنية بأن الانسحاب لا يضمن الأمن، بل قد يفاقم التهديد.
ويُنظر إلى هجوم 7 أكتوبر 2023 كنقطة تحوّل رئيسية عززت هذا الاتجاه.
تصعيد ميداني متسارع
على الأرض، لم يعد النقاش نظرياً.
تشير المعطيات إلى:
توغلات برية داخل جنوب لبنان
إقامة نقاط عسكرية وحواجز ميدانية
استمرار الضربات الجوية اليومية
إصدار أوامر إخلاء طالت مساحات واسعة
هذا الواقع يعكس انتقالاً تدريجياً من سياسة “الردع عن بعد” إلى “الحضور الميداني المباشر”.
ثلاثة مسارات أمام إسرائيل
تدور النقاشات الإسرائيلية حول ثلاثة خيارات رئيسية:
الخيار الأول - الضغط غير المباشر
تكثيف الضربات لإجبار الدولة اللبنانية على نزع سلاح حزب الله.
لكن هذا الخيار يواجه تشككاً بسبب تجارب سابقة أظهرت محدودية قدرة الدولة اللبنانية على تنفيذ ذلك.
الخيار الثاني - المنطقة العازلة
توسيع السيطرة جنوباً وإنشاء حزام أمني أوسع.
غير أن هذا السيناريو لا يضمن منع إعادة بناء قدرات حزب الله على المدى الطويل.
الخيار الثالث - الحسم العسكري
تنفيذ عملية برية واسعة تستهدف البنية العسكرية للحزب بشكل مباشر.
ويُعد هذا الخيار الأكثر حسماً، لكنه أيضاً الأكثر كلفة وخطورة.
توزيع الجبهات - لبنان ساحة استنزاف
في المقابل، ترى المؤسسة العسكرية الإسرائيلية أن التهديد الأكبر يبقى إيران، بينما تمثل الجبهة اللبنانية ساحة استنزاف ميداني.
وبحسب هذا التصور:
سلاح الجو والاستخبارات يركزان على إيران
القوات البرية تتولى إدارة العمليات في لبنان
هذا التقسيم يعكس محاولة إدارة حرب متعددة الجبهات دون استنزاف شامل.
الكلفة الإنسانية تتصاعد
في ظل هذا التصعيد، يدفع المدنيون الثمن الأكبر.
تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى:
نزوح مئات آلاف اللبنانيين
ارتفاع أعداد القتلى والجرحى
تسجيل نحو خُمس السكان كنازحين
ما يضع لبنان أمام أزمة إنسانية متفاقمة بالتوازي مع التصعيد العسكري.
إلى أين تتجه المعركة؟
تربط التقديرات الإسرائيلية أي انسحاب مستقبلي بزوال “التهديد الفعلي”، وليس بمجرد اتفاقات سياسية.
وهذا يعني أن السيناريو الأكثر ترجيحاً في المدى القريب هو:
استمرار الوجود العسكري في الجنوب
توسيع نطاق العمليات تدريجياً
إبقاء خيار العملية البرية الشاملة قائماً
الخلاصة
ما يجري على الجبهة اللبنانية لا يعكس مجرد تصعيد عسكري، بل تحوّلاً في العقيدة الأمنية الإسرائيلية.
من “الاحتواء” إلى “الحسم”،
ومن “الانسحاب” إلى “التمركز”.
وفي ظل هذا التحول، يبدو أن لبنان قد يدخل مرحلة جديدة من المواجهة، حيث لم تعد الخطوط الحمراء كما كانت، ولم تعد الحرب محكومة بالقواعد القديمة.



