“التوتر العالي” بين مصر ولبنان
من منع التصعيد إلى شراكات الطاقة وإعادة الإعمار
لم تعد التحركات المصرية تجاه لبنان محصورة بمحاولة تجنيبه تصعيداً إسرائيلياً محتملاً، بل اتسعت لتشمل مساراً اقتصادياً متكاملاً، يتقدم فيه قطاع الطاقة والكهرباء كعنوان مركزي للتعاون في المرحلة المقبلة.
الزيارات المتتالية التي شهدتها بيروت من الجانب المصري خلال الأشهر الأخيرة – من زيارة وزير الخارجية بدر عبد العاطي، إلى لقاءات رئيس الوزراء مصطفى مدبولي ومدير المخابرات العامة حسن رشاد – تعكس انتقال القاهرة من موقع المتابعة السياسية إلى موقع الشريك العملي في مقاربة الملف اللبناني.
خلال لقائه الرؤساء اللبنانيين، شدد مدبولي على أن لبنان يقف أمام مرحلة مزدوجة: مليئة بالتحديات، لكنها تحمل في الوقت نفسه فرصاً حقيقية لإعادة البناء. وطرح التجربة المصرية في الإصلاح الاقتصادي كنموذج قابل للاستفادة، لا بوصفه وصفة جاهزة، بل كمسار تدريجي للخروج من الأزمات العميقة.
على مستوى العلاقات التجارية، أقرّ الجانب المصري بأن التبادل التجاري بين البلدين – رغم تجاوزه مليار دولار في 2024 – لا يزال دون الإمكانات المتاحة، ما يستدعي إزالة العوائق البنيوية وتعزيز التكامل الاقتصادي بدل الاكتفاء بالتعاون الظرفي.
التعاون الطاقوي: بوابة الشراكة الأوسع
يبرز قطاع الطاقة، ولا سيما الكهرباء، كأحد أعقد وأهم ملفات التعاون بين القاهرة وبيروت. فمصر، التي راكمت خبرة واسعة في إنتاج الطاقة وإدارة الشبكات والتوسع في الطاقة المتجددة، ترى في لبنان ساحة طبيعية لتوظيف هذه الخبرات، ضمن مقاربة لا تقتصر على الدعم التقني، بل تهدف إلى تحسين البنية التحتية وخفض كلفة الإنتاج وتعزيز الاستقرار الاقتصادي.
إلى جانب الكهرباء، يحظى ملف إعادة الإعمار – خصوصاً في جنوب لبنان – بأولوية واضحة، في ظل الحاجة إلى مشاريع بنية تحتية شاملة تشمل المياه والطرق والاتصالات، مع اهتمام متزايد من الشركات المصرية بالمشاركة في هذه المشاريع.
ويرى خبراء اقتصاديون أن التكامل بين الاقتصاد المصري، القائم على وفورات الحجم والقدرة الإنتاجية، والاقتصاد اللبناني، المرتكز على الخدمات ورأس المال البشري، يخلق أرضية واقعية لشراكات طويلة الأمد، لا مجرد اتفاقيات موسمية.
العقبات البنيوية أمام التنفيذ
رغم هذا الزخم، لا تزال التحديات كبيرة. فلبنان يعاني من أزمة كهرباء مزمنة، وشبكات نقل متهالكة، وخطوط “توتر عالٍ” تفتقر إلى الصيانة، ما يجعل أي ربط كهربائي إقليمي أو استيراد للطاقة مسألة معقدة تقنياً ومالياً.
وتشير هذه المعطيات إلى أن التعاون مع مصر – أو أي شريك إقليمي – لن يكون كافياً ما لم يترافق مع إصلاح داخلي يعيد تنظيم القطاع ويحد من استنزاف المالية العامة.
من الجانب المصري، يُنظر إلى هذا الانخراط على أنه دعم سياسي-اقتصادي أكثر منه مشروعاً ربحياً، مع إدراك واضح بأن حجم الأزمة اللبنانية يفوق قدرة أي دولة واحدة على معالجته.
ما بعد الطاقة: أفق إقليمي أوسع
تتقاطع الشراكة المصرية–اللبنانية مع تحولات إقليمية أوسع، من بينها ملف ترسيم الحدود البحرية والتنقيب عن الغاز في شرق المتوسط، وهو ما قد يفتح المجال أمام تعاون ثلاثي أو متعدد الأطراف، خاصة في ظل امتلاك لبنان موارد واعدة غير مستثمرة.
لكن الخلاصة التي يجمع عليها الخبراء تبقى واحدة: لا يمكن فصل أي تعاون خارجي عن مسار إصلاحي داخلي يعيد تعريف دور الدولة اللبنانية، من ممول عاجز إلى منظم فعّال.
إلى أن يتحقق ذلك، ستظل فرص التعاون بين مصر ولبنان قائمة وواعدة، لكنها معلّقة على قدرة بيروت على تحويل الدعم السياسي والاقتصادي إلى مشاريع منتجة ومستدامة، لا إلى حلول مؤقتة.



