إيران والاحتجاجات الجديدة: كيف يفكّر النظام في احتوائها؟
توسّع جغرافي، قتلى في الشارع، وحوار حكومي بحدود السقف الأمني
احتجاجات تتجاوز الاقتصاد
مع اتساع رقعة الاحتجاجات في إيران وسقوط قتلى خلالها، تدخل التحركات الشعبية مساراً أكثر تعقيداً، يتجاوز المطالب الاقتصادية المباشرة، ليضع النظام أمام اختبار جديد في كيفية إدارتها واحتوائها.
وشهدت مناطق عدة اشتباكات بين محتجين وقوات الأمن، في وقت تتباين فيه الروايات الرسمية مع تقارير منظمات حقوقية حول طبيعة العنف وأطرافه.
قتلى وروايات متضاربة
أفادت وكالة “فارس” شبه الرسمية بمقتل شخصين في مدينة لوردجان خلال اشتباكات قالت إنها وقعت مع “متظاهرين مسلحين”. في المقابل، ذكرت منظمة “هنجاو” الحقوقية أن قوات الأمن قتلت وأصابت عدداً من المحتجين في المدينة نفسها.
وفي تطور لافت، أعلن الحرس الثوري مقتل أحد عناصر وحدة “الباسيج” في مدينة كهدشت وإصابة 13 آخرين، متهماً المتظاهرين باستغلال الاحتجاجات. لكن “هنجاو” قالت إن القتيل كان يشارك في الاحتجاجات وقُتل برصاص قوات الأمن.
توقيفات وانتشار أمني
تحدثت تقارير صحفية ومنظمات حقوقية عن اعتقال محتجين في أقاليم عدة، بينها كرمانشاه وخوزستان وهمدان، مع تسجيل انتشار واسع لعناصر الشرطة في الشوارع، بحسب ناشطين.
هذا الانتشار يعيد إلى الأذهان أساليب تعامل النظام مع موجات احتجاج سابقة، ولا سيما في عامي 2022 و2023.
اتساع جغرافي ودخول الجامعات
امتدت الاحتجاجات إلى مدينة مرودشت في إقليم فارس الجنوبي، في مؤشر على توسّع جغرافي لافت. كما انضم طلاب جامعات إلى التظاهرات، ما يرفع احتمالات تطور الخطاب الاحتجاجي من مطالب معيشية إلى مطالب سياسية أوسع.
ويرى مراقبون أن دخول الجامعات على خط الاحتجاجات قد يغيّر طبيعة التحركات وسقفها.
لغة تهدئة من الحكومة
في محاولة لاحتواء التصعيد، دعا الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى الاستماع لمطالب المحتجين، وطلب من وزير الداخلية فتح قنوات حوار مع ممثليهم.
وقالت المتحدثة باسم الحكومة فاطمة مهاجراني إن السلطات بدأت حواراً مباشراً مع ممثلي النقابات والتجار، من دون الكشف عن تفاصيل إضافية.
وسبق هذه التصريحات إعلان عطلة رسمية في معظم أنحاء البلاد، بذريعة موجة البرد.
حدود الحوار وكلمة النظام
رغم الخطاب الهادئ للحكومة، يشكّك محتجون ومعارضون في جدّية هذه المقاربة، لسببين أساسيين:
الأول، أن القرار النهائي لا بيد الحكومة بل بيد النظام ومؤسساته الأمنية.
والثاني، أن الانتشار الأمني الواسع يوحي بأن خيار القمع لا يزال مطروحاً.
ذاكرة مهسا أميني حاضرة
يعيد مقتل محتجين وانتشار الشرطة المكثف إلى الواجهة إرث النظام في قمع الاحتجاجات، ولا سيما تلك التي اندلعت عقب وفاة مهسا أميني عام 2022، والتي شهدت اعتقالات واسعة، ومحاكمات، وتشديد الرقابة على الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي.
جذور اقتصادية عميقة
بدأت الاحتجاجات الحالية مع خروج تجار “البازار” في طهران إلى الشارع، احتجاجاً على تدهور الأوضاع الاقتصادية، وارتفاع الأسعار، والانخفاض الحاد في قيمة الريال الإيراني.
وبلغ معدل التضخم نحو 42.5% في ديسمبر الماضي، فيما خسر الريال قرابة نصف قيمته خلال عام 2025.
اقتصاد تحت الضغط
يعاني الاقتصاد الإيراني منذ سنوات بفعل العقوبات الغربية المرتبطة بالبرنامج النووي، إضافة إلى كلفة الانخراط في صراعات إقليمية ودعم ميليشيات خارج الحدود، بحسب معارضين.
وجاءت هذه الأزمة في ظل مواجهة عسكرية مباشرة مع إسرائيل استمرت 12 يوماً، وغارات أميركية استهدفت منشآت نووية في يونيو الماضي، ما فاقم الضغوط الاقتصادية والسياسية على النظام.
سيناريوهات مفتوحة
بين الحوار المحدود والانتشار الأمني، يقف النظام الإيراني أمام مفترق طرق:
إما احتواء الاحتجاجات بتنازلات اقتصادية محسوبة، أو العودة إلى القبضة الأمنية الصارمة، مع ما يحمله ذلك من مخاطر توسيع رقعة الغضب الشعبي.



