تصعيد من المكتب البيضاوي - ما الخيارات المتبقية أمام إيران؟
بين خطاب ترامب الحادّ وغموض “اليوم التالي”
رفع الرئيس الأميركي دونالد ترامب سقف المواجهة مع إيران في سلسلة تصريحات من المكتب البيضاوي، مقدماً التدخل العسكري بوصفه خطوة استباقية منعت اندلاع حرب نووية كانت - بحسب قوله - ستؤدي إلى “تدمير دول كثيرة”.
ترامب أكد أن طهران “كانت ستهاجم أولاً”، مضيفاً أن الضربات الأميركية أضعفت قدرات إيران البحرية والجوية، وأن منصات إطلاق الصواريخ “توشك على النفاد”، مع إقراره بأن إيران قد تواصل إطلاق الصواريخ لبعض الوقت.
لكن خلف الخطاب التصعيدي، يبقى السؤال الأهم:
إلى أين تتجه المواجهة - وماذا ينتظر إيران في المرحلة المقبلة؟
هل يمكن إسقاط النظام من الجو؟
خبراء عسكريون يرون أن إسقاط نظام راسخ عبر الضربات الجوية وحدها مهمة بالغة الصعوبة.
أستاذ العلوم السياسية في جامعة جونز هوبكنز إدوارد جوزيف يشير إلى أن تفكيك نظام معقّد مثل النظام الإيراني يتطلب أكثر من تدمير البنية العسكرية. فالنظام يستند إلى شبكة مؤسسات أمنية واقتصادية عميقة، لا تنهار بسهولة مع الضربات الجوية.
ومع ذلك، فإن مقتل قيادات بارزة - وعلى رأسهم المرشد الأعلى - قد يخلق فراغاً سياسياً وأمنياً يعيد رسم موازين القوى داخل إيران.
من يحكم بعد خامنئي؟
ترامب لمح إلى أن عدداً من الخلفاء المحتملين قد قُتلوا، مشيراً إلى أن “أسوأ سيناريو” هو صعود شخصية أكثر تشدداً.
رغم عدم إعلان سياسة رسمية لإسقاط النظام، فإن حديثه عن “اليوم التالي” يوحي بأن إضعاف القيادة جزء من الحسابات الاستراتيجية.
السيناريوهات المحتملة تشمل:
بقاء النظام مع قيادة جديدة أكثر تشدداً
انتقال السلطة إلى جناح عسكري يقوده الحرس الثوري
تفكك داخلي يفضي إلى إعادة هيكلة سياسية محدودة
جوزيف يرى أن الغموض المتعمد في أهداف واشنطن يمنح ترامب مرونة سياسية - فالإدارة قد تقبل بجمهورية إسلامية ضعيفة ومجزأة بدلاً من انهيار كامل يحمل مخاطر فوضى إقليمية.
من يقود الحرب - واشنطن أم تل أبيب؟
رداً على تكهنات بأن إسرائيل دفعت الولايات المتحدة إلى المواجهة، قال ترامب: “ربما أنا من دفعت إسرائيل”.
هذا التصريح يعكس رغبة واضحة في إظهار واشنطن بوصفها صاحبة القرار الاستراتيجي، لا مجرد شريك.
لكن التنسيق العسكري الوثيق بين الطرفين يجعل الفصل بين الأدوار أمراً صعباً في الميدان.
العلاقة مع أوروبا - شراكة أم توتر؟
ترامب أشاد بألمانيا وبتسهيلها العمليات العسكرية، لكنه انتقد مواقف بريطانيا وإسبانيا، ملوحاً بإجراءات تجارية ضد مدريد بسبب رفضها استخدام قواعدها في عمليات هجومية.
هذا النهج يزيد من توتر العلاقة مع بعض الحلفاء الأوروبيين، في وقت قد تحتاج فيه واشنطن إلى دعم أوسع إذا طال أمد الحرب أو ارتفعت أسعار الطاقة.
ارتفاع أسعار النفط والغاز بدأ ينعكس على الأسواق العالمية، ما يضع ضغوطاً إضافية على الحكومات الأوروبية.
ماذا ينتظر إيران؟
إيران أمام ثلاثة مسارات رئيسية:
تصعيد عسكري مباشر عبر الصواريخ أو الهجمات غير المتكافئة
تصعيد غير مباشر عبر حلفائها الإقليميين
إعادة تموضع سياسي لمحاولة احتواء الضربات وإعادة ترتيب القيادة
الرهانات أصبحت وجودية بالنسبة للنظام، لكن أيضاً مكلفة لأي طرف يسعى إلى إسقاطه دون خطة واضحة لليوم التالي.
الخلاصة
تصريحات ترامب تعكس ثقة في التفوق العسكري الأميركي، لكنها لا تجيب بوضوح عن سؤال النهاية.
هل الهدف ردع إيران فقط؟
أم إعادة تشكيل النظام؟
أم دفعه إلى اتفاق جديد بشروط مختلفة؟
المواجهة لا تزال في بدايتها، والنتيجة ستتحدد ليس فقط بقدرة واشنطن على الضرب، بل بقدرتها على إدارة ما بعد الضربة.
وفي شرق أوسط مشبع بالتوازنات الهشة، يبقى “اليوم التالي” أكثر تعقيداً من أي خطاب تصعيدي.



