لبنان تحت الغارات: التطمينات تتراجع أمام عودة شبح التصعيد
ضربات إسرائيلية تعيد القلق إلى الواجهة وتفتح أسئلة المرحلة المقبلة
عاد القلق الأمني ليخيّم على لبنان مع تجدّد الغارات الإسرائيلية التي استهدفت، اليوم، مواقع في جنوب البلاد ومناطق حدودية أخرى، منهيةً عملياً مفعول موجة التطمينات السياسية التي سادت في الأسابيع الماضية.
وقال الجيش الإسرائيلي إن ضرباته طالت مواقع تابعة لحزب الله، من بينها مجمّع تدريب لقوة الرضوان ومنشآت عسكرية لتخزين الأسلحة، معتبراً أن هذه الأنشطة تشكّل انتهاكاً للتفاهمات القائمة بين لبنان وإسرائيل. ولوّح البيان بمواصلة العمل ضد ما وصفه بـ”التهديدات القائمة”.
وفي سياق متصل، أعلن الجيش الإسرائيلي اعتراض “هدف خاطئ” في بلدة برعم شمال إسرائيل، بعد تفعيل صفارات الإنذار للاشتباه بطائرة مسيّرة. غير أن مصدراً مقرّباً من حزب الله نفى، وفق ما نقلته رويترز، أي علاقة للحزب بالحادثة.
تناقض التطمينات والواقع
تأتي هذه التطورات بعد أيام على تأكيد الرئيس اللبناني جوزاف عون، في 25 ديسمبر الماضي، أن شبح الحرب أُبعد عن لبنان، مشدداً على أن الأمور تتجه نحو الإيجابية، بالتوازي مع اتصالات سياسية ودبلوماسية مكثفة لتجنّب الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
إلا أن الغارات الأخيرة أعادت طرح سؤال جوهري حول الفجوة بين صورة الواقع الميداني ورسائل الطمأنة الرسمية، وحول المسار الذي قد تسلكه التطورات في المرحلة المقبلة.
ويعتبر المحلل السياسي الياس الزغبي، في حديثه، أن هذا التناقض يعكس غموض المرحلة المقبلة، مشيراً إلى أن القرار الحقيقي لا يزال مرتبطاً بتفاهمات كبرى، على رأسها ما دار في اللقاء الأخير بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو في فلوريدا.
قلق شعبي وضغط دولي
رغم الخطاب الرسمي المطمئن، لم تتبدد مخاوف اللبنانيين من احتمال تصعيد جديد بين إسرائيل وحزب الله، بما يحمله من شبح الدمار والنزوح والانهيار، في بلد يعاني أصلاً من أزمة اقتصادية وبنيوية خانقة.
ويبدو أن الوقت يضغط على لبنان في ملف “نزع سلاح حزب الله”، وفق ما ينص عليه اتفاق وقف إطلاق النار الموقع منذ أكثر من عام. فبينما تدفع إسرائيل بهذا الاتجاه عبر الغارات والضغط العسكري، تمارس دول إقليمية وغربية ضغوطاً سياسية متزايدة على الحكومة اللبنانية لتحقيق هذا الهدف.
ويحذّر الزغبي من أن لبنان لم يعد يحتمل البقاء في المنطقة الرمادية، معتبراً أن مسألة سلاح الحزب باتت على مشرحة المعالجة، إما عبر تسوية سياسية قسرية أو عبر مواجهة عسكرية. ويربط هذا المسار أيضاً بالتطورات الداخلية في إيران، بوصفها المرجعية الأساسية لهذا السلاح، معتبراً أن ما يجري هناك سيكون له أثر مباشر على الساحة اللبنانية.
مرحلة مفتوحة على الاحتمالات
تشير مجمل المعطيات إلى أن الواقع اللبناني لا يزال هشّاً وقابلاً للانفجار في أي لحظة، خصوصاً إذا وصلت الجهود السياسية إلى طريق مسدود أو خرجت التطورات الميدانية عن السيطرة.
وحتى تتضح الصورة، يواصل اللبنانيون العيش على إيقاع الترقّب والقلق، بين تطمينات رسمية تصطدم بأصوات الطائرات والغارات، وخشية متزايدة من أن تجد البلاد نفسها مجدداً في قلب مواجهة لا طاقة لها على تحمّل تبعاتها.



