هل يولد تحالف جديد في الشرق الأوسط؟
جولة أردوغان بين الرياض والقاهرة واختبار موازين القوى بعد 7 أكتوبر
في لحظة إقليمية شديدة السيولة، يصل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى السعودية، قبل أن ينتقل بعد ذلك بيوم إلى مصر، في زيارة تتجاوز بعدها البروتوكولي لتلامس أسئلة كبرى تتعلق بإعادة تشكيل التحالفات في الشرق الأوسط.
الزيارة، وهي الأولى لأردوغان هذا العام، تأتي محمّلة بملفات أمنية وسياسية حساسة، في وقت تتزايد فيه المؤشرات على بحث الرياض والقاهرة وأنقرة عن مستوى متقدم من التنسيق، قد يتطور – وفق بعض التقديرات – إلى نواة تحالف إقليمي جديد.
ما بعد 7 أكتوبر – إعادة ترتيب الأوراق
منذ السابع من أكتوبر 2023، دخل الإقليم مرحلة مختلفة. توازنات قديمة اهتزت، ومحاور تقليدية فقدت بعض وزنها، فيما بدأت دول محورية تبحث عن صيغ جديدة لحماية مصالحها في بيئة أمنية متغيرة.
في هذا السياق، تبدو تحركات تركيا والسعودية ومصر جزءاً من محاولة أوسع لإعادة ضبط موازين القوى، في ظل تهديدات تمس السيادة الوطنية، وتراجع الاهتمام الغربي المباشر بملفات الشرق الأوسط، مقابل تصاعد أدوار إقليمية مستقلة.
محور أمني قيد التشكل؟
تأتي زيارة أردوغان أيضاً بعد بروز ملامح محور أمني جديد تقوده السعودية وباكستان، عقب توقيع اتفاقية دفاع مشترك بين البلدين في سبتمبر الماضي، تنص على اعتبار أي اعتداء على أحد الطرفين اعتداءً على الآخر.
ويرى مراقبون أن أنقرة قد تكون مرشحة للانضمام إلى هذا الترتيب، على أن تلتحق به القاهرة لاحقاً، ما يفتح الباب أمام معادلة أمنية إقليمية جديدة، تسعى إلى ملء فراغ محتمل في حال تراجع أدوار قوى إقليمية تقليدية، أو انشغالها بأزماتها الداخلية.
من القطيعة إلى الانفتاح
التحول اللافت في العلاقات التركية – المصرية يشكّل أحد أهم خلفيات الجولة الحالية. فبعد قطيعة استمرت أكثر من 12 عاماً بسبب ملف جماعة الإخوان المسلمين، عادت العلاقات تدريجياً إلى مسارها الطبيعي.
زار أردوغان القاهرة في فبراير 2024، ثم ردّ الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الزيارة إلى أنقرة في سبتمبر من العام نفسه، في إشارة واضحة إلى رغبة الطرفين في تجاوز الخلافات وفتح صفحة جديدة، قائمة على المصالح لا الأيديولوجيا.
التنسيق العسكري – إشارات لا تخطئها العين
خلال الأشهر الماضية، ظهرت مؤشرات عملية على تنامي التنسيق العسكري بين أنقرة وكل من الرياض والقاهرة. فقد التقى رئيس هيئة الأركان التركي نظيره السعودي في الرياض، كما وقعت مصر وتركيا اتفاقاً للتصنيع المشترك للطائرات المسيّرة.
وتجاوز التعاون ذلك إلى انضمام القاهرة كشريك في مشروع المقاتلة الشبح التركية (KAAN)، إضافة إلى موافقة أنقرة على تزويد مصر بطائرات “بيرقدار TB2”، ما دفع وسائل إعلام إسرائيلية إلى التحذير من “مرحلة جديدة وخطيرة” في العلاقات العسكرية بين البلدين.
تحالف أم تنسيق؟
ورغم هذه المؤشرات، يحذر بعض الخبراء من القفز إلى استنتاجات مبكرة. فبحسب باحثين أتراك، لا يزال الحديث عن تحالف عسكري ثلاثي كامل سابقاً لأوانه، إذ تركز الزيارة – في هذه المرحلة – على بلورة مواقف سياسية مشتركة، لا سيما تجاه حرب غزة، واحتمالات التصعيد مع إيران، أكثر من التوصل إلى ترتيبات عسكرية صلبة.
ويرجّح محللون أن يبقى التعاون في إطار التنسيق الاستراتيجي والسياسي، بهدف إدارة التحديات الإقليمية واحتواء الفوضى المحتملة، لا سيما في حال حدوث تغييرات كبرى في موقع إيران ضمن المعادلة الإقليمية.
القرن الأفريقي – ساحة التلاقي
إلى جانب ملفات الشرق الأوسط التقليدية، يحضر القرن الأفريقي بقوة على جدول أعمال الجولة. فالسعودية ومصر وتركيا تتقاطع مصالحها في الصومال والسودان، في ظل تنافس إقليمي محتدم، وتراجع نفوذ بعض الأطراف، وتغير أولويات أخرى.
وتشير معلومات إلى أن الملفين السوداني والصومالي سيكونان في صلب المحادثات، خصوصاً بعد إلغاء مقديشو عدداً من الاتفاقيات الأمنية والمينائية مع الإمارات، وسعي الرياض إلى لعب دور أكثر مركزية في ترتيبات الأمن بالمنطقة.
خلاصة المشهد
زيارة أردوغان إلى السعودية ومصر ليست مجرد محطة دبلوماسية عابرة، بل اختبار حقيقي لإمكانية ولادة صيغة إقليمية جديدة، تقوم على تقاطع المصالح بين ثلاث قوى مركزية في الشرق الأوسط.
هل تتحول هذه الصيغة إلى تحالف فعلي؟ أم تبقى في حدود التنسيق المرن؟
الإجابة لن تُحسم في هذه الجولة وحدها، لكنها قد تضع الأسس الأولى لشرق أوسط مختلف، تُدار فيه التوازنات بأدوات إقليمية، لا بوصاية خارجية.



