نتنياهو يوقّع أكبر صفقة غاز مع مصر: ماذا وراء الاتفاق؟
توسيع تاريخي لاتفاق 2019 وسط حساسيات سياسية وأمنية إقليمية
أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المصادقة على اتفاق جديد لتوريد الغاز الطبيعي إلى مصر، بقيمة تقارب 35 مليار دولار، واصفاً إياه بأنه أكبر صفقة غاز في تاريخ إسرائيل. الإعلان أعاد تسليط الضوء على شبكة معقدة من المصالح الاقتصادية والحسابات السياسية التي تحكم العلاقات بين القاهرة وتل أبيب، في توقيت إقليمي بالغ الحساسية.
توسعة اتفاق قديم
يمثل الاتفاق الجديد امتداداً وتوسعة للاتفاق الموقع بين مصر وإسرائيل عام 2019، والذي كان ينص على توريد 60 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي حتى عام 2030. وبموجب الصيغة المعدّلة، سترتفع الكميات إلى نحو 130 مليار متر مكعب تمتد حتى عام 2040، اعتماداً بشكل أساسي على إنتاج حقل ليفياثان في شرق البحر المتوسط.
ومن المقرر أن يبدأ التوريد الجزئي اعتباراً من عام 2026، على أن تزداد الكميات لاحقاً بعد الانتهاء من توسعة خطوط الربط بين الحقل الإسرائيلي ومحطات الإسالة المصرية، ما يعزز موقع القاهرة كبوابة رئيسية لتصدير الغاز الإسرائيلي إلى الأسواق الأوروبية والعالمية.
دور ليفياثان وشيفرون
يدار حقل ليفياثان من قبل شركة شيفرون الأميركية، التي تمتلك 40 في المئة من الحقل وتشرف على عمليات تشغيله. وتُقدَّر احتياطاته بنحو 600 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي، ما يجعله أحد أعمدة استراتيجية الطاقة الإسرائيلية على المدى الطويل.
نتنياهو قال في بيان متلفز إن الاتفاق يعزز مكانة إسرائيل كقوة إقليمية في مجال الطاقة، ويدعم الاستقرار الإقليمي، كما يشجع شركات الطاقة العالمية على الاستثمار في استكشاف الغاز داخل المياه الاقتصادية الإسرائيلية.
تراجع سابق ومصادقة متأخرة
اللافت أن نتنياهو كان قد رفض التصديق على الاتفاق في سبتمبر 2025، ملوّحاً بتجميده أو إلغائه، على خلفية تحركات الجيش المصري في شمال سيناء، والتي اعتبرتها إسرائيل مثيرة للقلق الأمني. غير أن الاتفاق عاد إلى الواجهة بعد استكمال جولة مفاوضات جديدة، أفضت إلى المصادقة عليه بصيغته النهائية.
مكاسب اقتصادية لمصر
بالنسبة إلى مصر، يأتي الاتفاق في سياق أزمة طاقة متنامية. فمنذ عام 2024، تواجه القاهرة فجوة متزايدة بين الإنتاج والاستهلاك، إذ بلغ الاستهلاك نحو 60 مليار متر مكعب مقابل إنتاج 47.5 مليار متر مكعب، ما دفعها إلى العودة لاستيراد الغاز بعد سنوات من الاكتفاء الذاتي.
وفي هذا الإطار، يمثل الغاز الإسرائيلي مصدراً مهماً لسد العجز، إلى جانب تعزيز دور مصر كمركز إقليمي لإسالة الغاز وتصديره، بفضل امتلاكها محطتي إدكو ودمياط، وهو ما يمنحها أفضلية لا تمتلكها إسرائيل نفسها.
القاهرة تنفي البعد السياسي
عقب الإعلان، سارع الجانب المصري إلى نفي وجود أبعاد سياسية للاتفاق. وقال ضياء رشوان، رئيس الهيئة العامة للاستعلامات، إن الصفقة “تجارية بحتة”، أُبرمت وفق اعتبارات اقتصادية واستثمارية فقط، مؤكداً أن توقيت الإعلان لا يحمل دلالات سياسية، رغم تزامنه مع مساعٍ أميركية لترتيب لقاء محتمل بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونتنياهو في الولايات المتحدة.
وبحسب مصادر مصرية مطلعة، فإن اللقاءات الفنية بين البلدين لا تزال مستمرة في عدة عواصم عربية، في محاولة لتسوية ملفات خلافية عالقة قبل أي لقاء سياسي رفيع المستوى، قد يكون الأول بين رئيس مصري ورئيس وزراء إسرائيلي منذ أكثر من عقد.
غزة ومعبر رفح في صلب الخلاف
تتداخل صفقة الغاز مع ملفات سياسية وأمنية أكثر تعقيداً، أبرزها أوضاع قطاع غزة وتنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار. وتشدد القاهرة، بصفتها ضامناً للاتفاق، على ضرورة الانتقال السريع إلى هذه المرحلة، بما يشمل انسحاب القوات الإسرائيلية من القطاع، ونشر قوة لحفظ الاستقرار، وبدء إعادة الإعمار.
كما يظل معبر رفح نقطة خلاف مركزية، إذ تطالب مصر بإعادة تشغيله في الاتجاهين، وعودة بعثة المراقبة الأوروبية والموظفين الفلسطينيين لإدارته، رافضة أي ترتيبات تسمح بخروج الفلسطينيين دون عودتهم.
سيناء ومحور فيلادلفيا
تتزامن الصفقة أيضاً مع توتر أمني حول انتشار القوات المصرية في شمال سيناء، وهو ما أثار اتهامات إسرائيلية بخرق اتفاقية كامب ديفيد. وردت القاهرة على هذه الاتهامات بالتأكيد على أنها لا تعتمد على مصدر واحد للطاقة، وتمتلك بدائل للتعامل مع أي ضغوط محتملة.
وتبقى مسألة الوجود العسكري الإسرائيلي في “محور فيلادلفيا” من أكثر القضايا حساسية بالنسبة إلى مصر، إذ ترى فيه خرقاً مباشراً لاتفاقية السلام الموقعة عام 1979، ومحاولة لفرض واقع أمني جديد على الحدود مع قطاع غزة.
ما وراء الأرقام
في المحصلة، تعكس صفقة الغاز الجديدة تشابك الاقتصاد بالسياسة في شرق المتوسط. فهي من جهة تمثل رافعة اقتصادية لكل من مصر وإسرائيل، ومن جهة أخرى تجري في ظل بيئة إقليمية متوترة، حيث تبقى ملفات غزة، وسيناء، ومحور فيلادلفيا حاضرة بقوة، وقادرة في أي لحظة على إعادة خلط الأوراق، مهما بدت الحسابات الاقتصادية مغرية.



