الشرق الأوسط على مفترق طرق
إعادة رسم موازين القوى بين طهران وتل أبيب وأنقرة... وسؤال الحرب المؤجلة
يقف الشرق الأوسط اليوم أمام مرحلة انتقالية حساسة، تتقاطع فيها الحسابات العسكرية مع الطموحات السياسية، وتُختبر فيها تحالفات ما بعد 7 أكتوبر وما تلاها من حروب واشتباكات إقليمية. من طهران إلى تل أبيب، ومن أنقرة إلى الرياض، تبدو المنطقة وكأنها تعيد ترتيب أوراقها وسط ضباب كثيف من عدم اليقين.
إيران بين الضربة والصفقة
التوتر بين الولايات المتحدة وإيران بلغ مستويات غير مسبوقة خلال العام الماضي، خصوصاً بعد الضربات المحدودة التي استهدفت منشآت نووية إيرانية. ورغم الجاهزية العسكرية الأميركية، لا تبدو واشنطن متحمسة لحرب مفتوحة. الحسابات هنا تتجاوز الضربة التكتيكية إلى سؤال: ماذا بعد؟
الإدارة الأميركية تدرك أن أي تصعيد قد يفتح باب الفوضى، لا سيما مع هشاشة الوضع الداخلي الإيراني. لكن في المقابل، لا تبدو طهران مستعدة لتقديم تنازلات جوهرية في ملف التخصيب أو برنامجها الصاروخي. وبين منطق الردع ومنطق الصفقة، يبقى الخيار مفتوحاً على سيناريوهين: احتواء بارد أو مواجهة محدودة.
هل يتصدع النظام الإيراني؟
الاحتجاجات المتكررة، والانقسامات داخل النخبة الحاكمة، والضربات الخارجية، كلها عوامل أضعفت صورة النظام أمام شعبه. لكن ضعف الصورة لا يعني سقوط البنية. فالنظام لا يزال يمتلك أدوات القوة الصلبة: الحرس الثوري، والأجهزة الأمنية، وشبكة المصالح الاقتصادية.
المعضلة الكبرى ليست في إسقاط النظام، بل في البديل. المعارضة منقسمة، والسيناريو الأكثر تداولاً يتمثل في انتقال داخلي للسلطة من جناح إلى آخر داخل المؤسسة نفسها. وهذا يعني أن أي تغيير قد يكون شكلياً أكثر منه جذرياً.
إسرائيل: أمن قبل كل شيء
بالنسبة لإسرائيل، يبقى الملف النووي الإيراني “خطاً أحمر” لا يمكن تجاوزه. لكنها في الوقت نفسه لا ترغب في حرب إقليمية شاملة، خصوصاً بعد استنزاف طويل على جبهات غزة ولبنان والبحر الأحمر.
الاستراتيجية الحالية تقوم على إضعاف الخصوم تدريجياً، عبر الضربات الدقيقة، والعمل الاستخباراتي، ومنع إعادة التسلح، لا سيما لدى حزب الله وحماس والحوثيين. الهدف ليس إسقاط الأنظمة، بل منع تشكل تهديد وجودي.
الأذرع الإقليمية... واقع جديد
تراجعت قدرات حزب الله بعد المواجهات الأخيرة، وفقد جزءاً من بيئته السياسية الإقليمية مع سقوط النظام السوري السابق. أما حماس فباتت في موقع دفاعي داخل غزة، فيما يظل الحوثيون الورقة الأكثر نشاطاً، وإن بقدرات محدودة.
التحالف الإيراني الإقليمي لا يزال قائماً، لكنه لم يعد بالقوة ذاتها. الضغوط الاقتصادية والعسكرية أضعفت هامش الحركة، وإن لم تلغه بالكامل.
تركيا: طموح إقليمي بحسابات براغماتية
أنقرة تتحرك بمرونة لافتة. فهي تعزز علاقاتها مع السعودية ومصر، وتنسق في ملفات سوريا وإعادة الإعمار، وتوازن بين الناتو وروسيا. طموحها واضح: لعب دور القوة الإقليمية المركزية في مرحلة ما بعد إعادة رسم الخرائط.
تركيا لا ترغب في إيران قوية تنافسها، لكنها أيضاً لا تريد فوضى تفتح الباب أمام عدم استقرار شامل.
اتفاقيات أبراهام... صمود رغم الحرب
على الرغم من حرب غزة، لم تنهار اتفاقيات أبراهام. العلاقات بين إسرائيل والإمارات والمغرب والبحرين استمرت، وإن بوتيرة أقل صخباً. التعاون الاقتصادي والسياحي والتقني لم يتوقف.
السعودية لا تزال تدرس توقيت الانضمام، لكن قنوات الاتصال غير المعلنة مع إسرائيل لم تُغلق. الحسابات هنا تتعلق بموازين القوى الإقليمية أكثر مما تتعلق بالمشاعر الشعبية.
غزة: بين الدمار وإعادة التشكيل
السؤال الأكثر حساسية يبقى: من يحكم غزة بعد الحرب؟ السيناريوهات تتراوح بين إدارة عربية-دولية، أو نموذج اقتصادي بإشراف إقليمي، أو عودة السلطة الفلسطينية بصيغة معدّلة.
إمكانات غزة الاقتصادية موجودة - من الغاز الطبيعي إلى اليد العاملة المتعلمة - لكن التحدي سياسي وأمني قبل أن يكون اقتصادياً. من دون إنهاء عسكرة المشهد، لن يتحقق أي تحول تنموي.
إلى أين تتجه المنطقة؟
الشرق الأوسط لا يتجه إلى حرب كبرى شاملة في المدى القريب، لكنه أيضاً لم يدخل مرحلة استقرار دائم. ما نشهده هو صراع بارد متعدد الجبهات، تُختبر فيه حدود القوة وتُرسم فيه خرائط نفوذ جديدة.
المعادلة المقبلة ستُبنى على ثلاثة عوامل حاسمة:
مستقبل النظام الإيراني
قدرة إسرائيل على تثبيت معادلة ردع طويلة الأمد
شكل التحالفات العربية-الإقليمية الجديدة
المنطقة لا تعيش نهاية صراع، بل انتقالاً من شكل إلى آخر. والسؤال لم يعد: هل ستندلع حرب؟ بل: أي نوع من الحروب ستُدار، وبأي أدوات؟



