لبنان بين خيارين… الميدان يطغى والسياسة تتراجع
رهان حزب الله على الاستنزاف يطيل الحرب… والمدنيون يدفعون الثمن
في لبنان اليوم، لا تسير الحرب في اتجاه واحد، بل تتقاطع فيها مسارات الميدان والسياسة بشكل متناقض. فبينما تحاول الدولة اللبنانية الدفع نحو وقف القتال وفتح باب التفاوض، يواصل حزب الله الرهان على المعركة العسكرية، معتبراً أن “الكلمة للميدان”، في مشهد يضع البلاد أمام معادلة مفتوحة على مزيد من التصعيد.
انسداد سياسي ومواجهة مفتوحة
المشهد السياسي يبدو شبه مشلول، مع استمرار رفض إسرائيل وقف إطلاق النار قبل نزع سلاح حزب الله، مقابل رفض الحزب الدخول في أي تفاوض تحت ضغط الحرب.
هذا التباعد يخلق فراغاً سياسياً حاداً، حيث لا تملك الدولة اللبنانية القدرة على فرض مسار تفاوضي، ولا القدرة على ضبط إيقاع المواجهة، ما يجعل القرار الفعلي خارج المؤسسات الرسمية.
“الكلمة للميدان”… ماذا تعني؟
رفع حزب الله شعار “الكلمة للميدان” يعكس توجهاً واضحاً نحو استمرار المواجهة، لكنه لا يعني بالضرورة القدرة على تحقيق حسم عسكري.
وفق تقديرات عسكرية، يمتلك الحزب قدرات قتالية متنوعة تشمل صواريخ مختلفة المدى وطائرات مسيّرة، إضافة إلى القدرة على تنفيذ ضربات متواصلة. غير أن هذه الإمكانات تُستخدم ضمن إطار “حرب استنزاف”، لا معركة فاصلة.
استراتيجية الاستنزاف
تعتمد هذه المقاربة على إطالة أمد المواجهة، واستنزاف الخصم تدريجياً عبر هجمات متكررة، بدلاً من السعي لتحقيق انتصار سريع.
وفي هذا السياق، يهدف الحزب إلى اختبار قدرة إسرائيل على تحمّل كلفة العمليات البرية، مع الرهان على أن الضغط المتراكم قد يفرض لاحقاً وقفاً لإطلاق النار بشروط مختلفة.
لكن هذه الاستراتيجية تحمل في طياتها مخاطر كبيرة، إذ قد تتحول إلى حرب طويلة دون أفق واضح للحسم.
ميزان القوة… خسائر غير متكافئة
رغم استمرار قدرة الحزب على إطلاق الصواريخ وتنفيذ عمليات، تشير تقديرات إلى أن ميزان الخسائر يميل بشكل واضح ضد لبنان، سواء على مستوى البنية التحتية أو الاقتصاد أو الوضع الإنساني.
فحجم الدمار والنزوح يتجاوز قدرة الدولة على الاستيعاب، في وقت تعاني فيه البلاد أصلاً من أزمة اقتصادية عميقة.
الدولة الغائبة
أحد أبرز عناصر الأزمة يتمثل في ضعف الدولة اللبنانية، التي تبدو عاجزة عن فرض سيادتها الكاملة، أو احتكار القرار العسكري.
ورغم وجود الجيش اللبناني وانتشاره في بعض المناطق، إلا أن السيطرة الفعلية تبقى محدودة، ما يترك المجال مفتوحاً لاستمرار المواجهة خارج إطار الدولة.
حسابات إقليمية تتجاوز لبنان
لا ينفصل قرار الحرب والسلم عن السياق الإقليمي الأوسع، حيث يرتبط سلوك حزب الله بمسار المواجهة بين إيران والولايات المتحدة.
وفي هذا الإطار، يتحول الميدان اللبناني إلى ورقة ضغط تُستخدم في مفاوضات أوسع، ما يقلل من تأثير المبادرات الدولية الخاصة بلبنان نفسه.
رفض داخلي متزايد
في الداخل اللبناني، تتصاعد أصوات معارضة لنهج المواجهة المستمرة، خاصة في ظل الكلفة البشرية والمادية المرتفعة.
ويرى منتقدون أن استمرار الحرب لا يخدم المصلحة الوطنية، بل يعمّق الانهيار ويؤخر أي فرصة للتعافي.
الخلاصة
بين رهان على “الميدان” وعجز سياسي واضح، يجد لبنان نفسه عالقاً في حرب لا يملك قرار إنهائها.
فلا الحسم العسكري يبدو قريباً، ولا التسوية السياسية متاحة في المدى القريب، ما يجعل الخاسر الأكبر في هذه المعادلة هو الداخل اللبناني، الذي يدفع كلفة صراع يتجاوز حدوده.



