إسقاط مسيّرة إيرانية ومناورات تفاوضية جديدة
توتر عسكري في بحر العرب يقابله شدّ وجذب دبلوماسي بين واشنطن وطهران
في تصعيد عسكري محسوب، أعلنت الولايات المتحدة إسقاط طائرة مسيّرة إيرانية في بحر العرب، في حادثة تعكس مستوى التوتر القائم بين واشنطن وطهران، بالتوازي مع تحركات سياسية إيرانية تهدف إلى إعادة صياغة مسار المفاوضات النووية وشكلها ومكانها.
المسيّرة اقتربت “بشكل عدائي”
بحسب بيان القيادة المركزية الأميركية، أسقطت مقاتلة أميركية من طراز F-35C، تابعة لحاملة الطائرات يو إس إس أبراهام لينكولن، طائرة مسيّرة إيرانية بعد اقترابها “بشكل عدائي” من الحاملة أثناء إبحارها في بحر العرب، على مسافة تقارب 500 ميل من الساحل الجنوبي لإيران.
وأوضح المتحدث باسم القيادة المركزية، تيم هوكينز، أن عملية الإسقاط جاءت “دفاعاً عن النفس” ولحماية الطاقم والسفينة، مشيراً إلى أن المسيّرة من طراز “شاهد-139” نفذت مناورات اعتُبرت تهديداً مباشراً.
ويأتي هذا التطور في وقت عززت فيه واشنطن وجودها العسكري في المنطقة، عقب احتجاجات واسعة شهدتها إيران مطلع 2026، وما رافقها من تهديدات أطلقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب باستخدام “القوة في المكان المؤلم” إذا استمرت عمليات القمع.
مضيق هرمز - جبهة موازية
بعد ساعات من حادثة بحر العرب، وقع توتر جديد في مضيق هرمز، حيث اعترضت زوارق تابعة للحرس الثوري الإيراني ناقلة تجارية ترفع العلم الأميركي وتشغّلها طواقم أميركية، أثناء عبورها الممر الملاحي الدولي.
ووفق شركة الأمن البحري البريطانية “فانغارد تك”، اقتربت ثلاثة زوارق مسلحة من ناقلة “ستينا إمبيراتيف”، وأمرت قبطانها عبر اللاسلكي بإيقاف المحركات والاستعداد للصعود على متنها. إلا أن السفينة واصلت مسارها وزادت سرعتها، مؤكدة أنها لم تدخل المياه الإقليمية الإيرانية، قبل أن تتلقى مرافقة من سفينة حربية أميركية.
ويعيد هذا المشهد إلى الواجهة حساسية مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط والغاز العالمية، وكان مراراً مسرحاً لاختبارات القوة بين إيران والولايات المتحدة.
التصعيد العسكري… والتفاوض مستمر
رغم التصعيد، أكدت واشنطن أن القنوات الدبلوماسية لم تُغلق. وأعلنت المتحدثة باسم البيت الأبيض أن المبعوث الأميركي الخاص، ستيف ويتكوف، سيجري محادثات مع الجانب الإيراني في وقت لاحق من هذا الأسبوع، مشددة على أن الاجتماعات “ما زالت قائمة” رغم إسقاط المسيّرة.
في المقابل، أفادت تقارير بأن طهران تسعى إلى تعديل صيغة ومكان المفاوضات المرتقبة مع الولايات المتحدة. وبحسب مصادر نقل عنها موقع “أكسيوس”، تطالب إيران بنقل المحادثات من إسطنبول إلى سلطنة عُمان، وأن تكون ثنائية مع واشنطن فقط، من دون مشاركة أطراف إقليمية بصفة مراقبين.
وتشير هذه الخطوة إلى رغبة إيرانية في تقليص عدد الوسطاء، وإعادة ضبط شروط التفاوض، بعد دعوة عدة دول إقليمية لحضور المحادثات في تركيا.
موقف طهران - تفاوض بلا تهديد
في هذا السياق، أعلن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أنه كلّف وزير خارجيته عباس عراقجي بتمثيل إيران في مفاوضات نووية مباشرة مع الولايات المتحدة، مؤكداً أن أي حوار يجب أن يكون “عادلاً ومنصفاً”، وفي بيئة خالية من التهديدات.
وشددت طهران على أن المفاوضات، إن جرت، يجب أن تقتصر على الملف النووي، رافضة إدراج برنامجها الصاروخي أو قدراتها الدفاعية ضمن أي نقاش.
ترامب - بين الأمل والتهديد
الرئيس الأميركي، من جهته، أكد أنه لا يزال يفضّل حلاً تفاوضياً، لكنه لم يخفِ لهجته التحذيرية، قائلاً إن “أموراً سيئة” قد تحدث إذا فشلت المحادثات. وفي الوقت نفسه، تواصل الولايات المتحدة استعراض قوتها البحرية والجوية في المنطقة، في رسالة مزدوجة تجمع الضغط العسكري مع إبقاء باب التفاوض مفتوحاً.
المنطقة على خط التماس
بين إسقاط المسيّرات، وحوادث المضيق، والمناورات الدبلوماسية، تبدو العلاقة الأميركية – الإيرانية عالقة في منطقة رمادية: لا حرب مفتوحة ولا تهدئة مستقرة. فكل خطوة عسكرية تقابلها إشارة تفاوضية، وكل دعوة للحوار ترافقها رسائل ردع.
في هذا المشهد المعقّد، يظل السؤال مفتوحاً: هل تنجح عُمان، كما في محطات سابقة، في توفير مساحة هادئة للتفاوض؟ أم أن منسوب التوتر الميداني بات أعلى من قدرة الدبلوماسية على احتوائه؟



