ترامب يرد على تحذير خامنئي - الاتفاق أولاً… وإلا فاختبار الصراع الإقليمي
شدّ حبال سياسي وعسكري فيما تقترب السفن وتتحرك القنوات الخلفية
في ذروة التصعيد الكلامي والعسكري بين واشنطن وطهران، قلّل الرئيس الأميركي دونالد ترامب من تحذير المرشد الإيراني علي خامنئي من أن أي هجوم أميركي قد يشعل صراعاً إقليمياً واسعاً، معتبراً أن هذا الخطاب “متوقع وطبيعي”، ومشدداً في الوقت نفسه على أن باب الاتفاق لا يزال مفتوحاً، لكن ليس إلى ما لا نهاية.
ترامب قال، تعليقاً على تصريحات خامنئي، إن الولايات المتحدة تمتلك “أكبر وأقوى السفن في العالم” في المنطقة، وإنها باتت على مسافة “يومين إلى ثلاثة أيام” من لحظة حاسمة، مضيفاً: “آمل أن نصل إلى اتفاق. وإذا لم نصل، سنعرف حينها إن كان على حق أم لا”. عبارة تختصر مقاربة مزدوجة تجمع التهديد العسكري مع إبقاء نافذة التفاوض مشرعة.
تحذير خامنئي - حرب إقليمية لا مبادرة إيرانية
في المقابل، رفع المرشد الإيراني سقف التحذير، مؤكداً أن إيران “ليست المبادرّة بالحرب” ولا تسعى إلى مهاجمة أي دولة، لكنه شدد على أن أي اعتداء أميركي سيُواجَه برد قوي، وقد يحوّل المواجهة إلى صراع إقليمي شامل. خامنئي خاطب الداخل والخارج معاً، قائلاً إن “الشعب الإيراني لن يُرهب بالتهديدات”، وإن الحشود العسكرية الأميركية “لن تغيّر من إرادة إيران في الدفاع عن نفسها”.
وفي قراءة داخلية للأحداث، وصف خامنئي الاحتجاجات التي شهدتها إيران في يناير بأنها محاولة “انقلاب فاشلة”، متهماً المحتجين بمهاجمة مؤسسات الدولة، من الشرطة إلى ثكنات الحرس الثوري والمصارف والمساجد، وصولاً إلى حرق المصاحف، وفق الرواية الرسمية التي نقلتها وكالة “تسنيم”.
الحرس الثوري - استعراض أميركي بلا قيمة
تزامناً مع ذلك، سعى قادة الحرس الثوري إلى التقليل من أهمية التعزيزات الأميركية. نائب القائد العام للحرس اعتبر أن وصول حاملات الطائرات والسفن الحربية الأميركية إلى الشرق الأوسط “جزء من حرب نفسية”، مؤكداً أن الجاهزية العسكرية الإيرانية “في أفضل حالاتها”، بل أعلى مما كانت عليه خلال المواجهة العسكرية الأخيرة مع إسرائيل.
هذا الخطاب يعكس محاولة إيرانية واضحة للفصل بين الداخل والخارج: طمأنة القاعدة الشعبية من جهة، وإرسال رسالة ردع إلى واشنطن وحلفائها من جهة أخرى، مفادها أن أي ضربة لن تكون بلا كلفة.
تصعيد تشريعي - أوروبا في مرمى الرد
على خط موازٍ، صعّد البرلمان الإيراني لهجته بعد قرار الاتحاد الأوروبي إدراج الحرس الثوري على قائمة المنظمات الإرهابية. رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف أعلن أن إيران تعتبر جيوش الدول الأوروبية التي شاركت في هذا القرار “جماعات إرهابية”، وهدد بإجراءات مضادة، من بينها بحث طرد الملحقين العسكريين الأوروبيين.
الرسالة هنا سياسية بامتياز: طهران لا تنوي حصر المواجهة مع واشنطن فقط، بل توسيع دائرة الضغط لتشمل أوروبا، التي تراها منخرطة في “طاعة عمياء” للولايات المتحدة، وفق توصيف قاليباف.
قنوات التفاوض - خلف الضجيج
ورغم الضجيج الإعلامي والعسكري، تتكثف في الخلفية تحركات دبلوماسية لاحتواء التصعيد. ترامب نفسه أكد أن طهران “تتحدث” إلى واشنطن، فيما أشار مسؤولون إيرانيون إلى “تقدم” في بلورة إطار تفاوضي، وإن كان هشاً ومشروطاً.
التحركات القطرية والروسية، إلى جانب اتصالات مع مصر وتركيا، تعكس قلقاً إقليمياً متزايداً من انزلاق الوضع إلى حرب مفتوحة، لا تبدو في مصلحة أي طرف. الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان قال صراحة إن الحرب “لن تكون في صالح إيران ولا الولايات المتحدة ولا المنطقة”، في موقف يفتح نافذة واقعية داخل الخطاب الإيراني المتشدد.
خطوط حمراء واضحة
مع ذلك، تضع طهران حدوداً صارمة لأي تفاوض محتمل. وزير الخارجية الإيراني أكد استعداد بلاده لمفاوضات نووية “عادلة ومنصفة”، لكنه شدد في المقابل على أن القدرات الصاروخية والدفاعية الإيرانية “ليست محل تفاوض”. هذا الفصل بين الملف النووي والقدرات العسكرية يعكس إدراكاً إيرانياً بأن أي تنازل شامل قد يُفسَّر داخلياً كهزيمة استراتيجية.
المنطقة على حافة اختبار
بين تحذير خامنئي وتهديد ترامب، وبين استعراض القوة وحركة الوسطاء، تبدو المنطقة واقفة على حافة اختبار صعب. فإما اتفاق يخفف منسوب التوتر ويعيد ضبط قواعد الاشتباك، أو فشل يدفع الجميع إلى مواجهة لا أحد يعرف حدودها ولا مسارها.
في هذه اللحظة، لا يبدو الصراع حتمياً، لكنه أيضاً ليس مستبعداً. وما بين يومين وثلاثة أيام، كما قال ترامب، قد تتضح الإجابة: تفاوض يربح الوقت، أم صدام يعيد رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط.



