العراق في قلب المواجهة الإقليمية
تصاعد دور الفصائل المسلحة يضع بغداد بين ضغوط الردع ومخاطر الانزلاق للصراع
يشهد المشهد الإقليمي تحولا لافتا مع تصاعد نشاط الفصائل المسلحة الموالية لإيران داخل العراق، في تطور يعكس إعادة ترتيب طهران لأدوات نفوذها بعد تراجع حضورها في عدد من الساحات التي شكلت لعقود ركائز استراتيجيتها الخارجية. هذا التحول يضع العراق في موقع حساس، بين كونه ورقة ضغط إيرانية محتملة وبلدا يسعى رسميا لتجنب الانخراط في صراعات المحاور.
المشهد الميداني - استعراض قوة ورسائل ردع
خلال الأسابيع الأخيرة، كثفت فصائل عراقية بارزة تحركاتها العلنية، معلنة استعدادها للمشاركة في أي مواجهة دفاعا عن إيران. وشملت هذه التحركات دعوات للتعبئة وعرضا لقدرات عسكرية، بينها تسجيلات مصورة لصواريخ داخل أنفاق تحت الأرض. هذه الخطوات لا تُقرأ فقط في سياق عسكري، بل أيضا كرسائل سياسية موجهة إلى الخصوم الإقليميين والدوليين.
حسابات التوقيت - لماذا الآن؟
يرى محللون أن تأخر تفعيل هذه الفصائل في مواجهات سابقة كان خيارا استراتيجيا إيرانيا هدفه الحفاظ على أهم أوراقها الجغرافية والعسكرية. فالعراق يمثل بالنسبة لطهران عمقا أمنيا بالغ الحساسية، نظرا لموقعه الحدودي ونفوذها المتشعب داخله، ما يجعله منصة محتملة لإدارة صراع واسع إذا تعرضت لضربة مباشرة.
العراق كجبهة متقدمة
مع تراجع أدوار حلفاء إيران في ساحات أخرى، تتجه الأنظار إلى الفصائل العراقية باعتبارها المرشحة لتكون خط المواجهة الأول. تقديرات غير رسمية تشير إلى وجود نحو سبعين فصيلا تحت مظلة الحشد الشعبي، كثير منها يرتبط بإيران تسليحا وتدريبا وتمويلا. وقد شاركت هذه الجماعات سابقا في عمليات خارج الحدود، ما يعكس جاهزيتها للعب أدوار تتجاوز الساحة العراقية.
استراتيجية نقل الصراع
يرى خبراء أن تحريك الجبهة العراقية يندرج ضمن محاولة إيرانية لنقل أي مواجهة محتملة بعيدا عن أراضيها. غير أن هذا الخيار يحمل مخاطر معاكسة، إذ قد يجعل العراق نفسه هدفا لضربات عسكرية، خصوصا مع مؤشرات على تعزيز الوجود العسكري الأميركي في المنطقة.
موقف بغداد - حياد هش
رغم التصعيد، تؤكد الحكومة العراقية تمسكها بسياسة النأي بالنفس ورفض تحويل البلاد إلى ساحة صراع. لكن الفجوة بين الموقف الرسمي ونشاط الفصائل المسلحة تضع الدولة أمام معادلة معقدة: الحفاظ على السيادة من جهة، والتعامل مع واقع ميداني متعدد مراكز القوة من جهة أخرى.
رسائل طهران
التحركات الأخيرة توحي بأن إيران تسعى إلى استخدام نفوذها الإقليمي كأداة ضغط تفاوضي وردعي في آن واحد، لتأكيد أن أي مواجهة مستقبلية لن تكون محدودة جغرافيا، بل قد تمتد عبر عدة ساحات. وبهذا المعنى تتحول الفصائل العراقية إلى عنصر استراتيجي في معادلة الردع وليس مجرد قوة محلية.
خلاصة المشهد
العراق يقف اليوم عند نقطة توازن دقيقة بين حسابات القوى الكبرى واستراتيجيات المحاور. فبين رغبة طهران في الحفاظ على آخر أوراق نفوذها، وسعي بغداد لتجنب الانزلاق إلى مواجهة، يبقى مستقبل الساحة العراقية مرتبطا بمسار التوتر الإقليمي واحتمالات التصعيد أو التسوية.



