لماذا استُهدفت قبرص؟
رسائل ردع إيرانية أم تنفيذ لتهديد قديم من “حزب الله”؟
عاد اسم قبرص إلى واجهة التصعيد الإقليمي بعدما تعرضت قواعد بريطانية في الجزيرة لهجوم بطائرات مسيّرة، بعد أيام من انطلاق العملية الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران. وبينما طُرحت فرضيات عن مصدر الهجوم، رجّحت تقارير أن المسيّرات أُطلقت من لبنان، وأن “حزب الله” يقف وراء العملية.
الحدث أعاد إلى الأذهان تهديداً سابقاً أطلقه الأمين العام السابق للحزب حسن نصر الله في يونيو 2024، حين حذر قبرص من أن بنيتها التحتية - خصوصاً المطارات - قد تصبح هدفاً إذا استُخدمت لدعم عمليات إسرائيلية ضد الحزب.
لكن السؤال المطروح اليوم:
هل ما جرى هو تنفيذ لذلك التهديد، أم أنه جزء من حسابات أوسع مرتبطة بالحرب الحالية؟
رسالة تتجاوز قبرص؟
يرى عدد من المحللين أن الهجوم لا يمكن فصله عن السياق الأوسع للمواجهة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى.
وفق هذا المنظور، استهداف قواعد بريطانية في قبرص يحمل رسالة سياسية أكثر مما هو ضربة عسكرية مؤثرة. الهدف المحتمل هو رفع كلفة انخراط الدول الأوروبية - أو السماح باستخدام أراضيها - في العمليات ضد إيران.
بعبارة أخرى، هي محاولة للقول:
أي طرف يسهّل العمليات العسكرية سيُعتبر جزءاً من المعركة.
بريطانيا في موقف حرج
رئيس الوزراء البريطاني سارع إلى نفي استخدام القواعد البريطانية في قبرص لشن ضربات أميركية، في خطوة فُهمت على أنها محاولة لتفادي التصعيد.
غير أن مجرد وقوع الهجوم وضع لندن في موقع حساس، خصوصاً أن القواعد البريطانية في قبرص تُعد أراضٍ ذات سيادة بريطانية، لكنها تقع قرب مناطق سكنية مأهولة.
رد أوروبي سريع
التطورات دفعت عدداً من الدول الأوروبية إلى التحرك:
فرنسا أعلنت نيتها إرسال أنظمة دفاع جوي مضادة للصواريخ والمسيّرات
اليونان أرسلت طائرات مقاتلة لتعزيز الحماية
بحث في نشر سفن حربية إضافية في شرق المتوسط
هذه التحركات تشير إلى أن الهجوم لم ينجح في إحداث شرخ بين الحلفاء، بل ربما أدى إلى تعزيز التنسيق الدفاعي الأوروبي.
لماذا قبرص تحديداً؟
قبرص تمثل نقطة استراتيجية في شرق المتوسط:
قريبة جغرافياً من إسرائيل ولبنان وسوريا
تضم قواعد بريطانية ذات أهمية لوجستية
تُعد منصة محتملة لدعم عمليات عسكرية أو إنسانية
استهدافها يحقق هدفين:
توسيع دائرة التوتر خارج الساحة اللبنانية - الإسرائيلية
إيصال رسالة إلى أوروبا بأن الحرب قد تمتد إلى محيطها المباشر
هل يسعى “حزب الله” لتوسيع المعركة؟
رغم ضعف قدراته مقارنة بفترات سابقة، لا يزال الحزب يمتلك ترسانة من الصواريخ والمسيّرات.
لكن توسيع ساحة المواجهة إلى شرق المتوسط يحمل مخاطر كبيرة عليه، خصوصاً في ظل الضغوط الداخلية في لبنان وسعي الدولة اللبنانية إلى تقليص نفوذه العسكري.
بعض التقديرات ترى أن الهجوم كان “ضربة محسوبة” - رسالة رمزية لا تهدف إلى فتح جبهة واسعة.
مغامرة محفوفة بالمخاطر
توسيع نطاق الاستهداف ليشمل دولة عضو في الاتحاد الأوروبي قد يحمل نتائج عكسية:
تعزيز التعاون الدفاعي الأوروبي
توحيد المواقف الغربية
تحويل دول محايدة نسبياً إلى أطراف أكثر انخراطاً
في هذا السياق، قد تكون الرسالة الإيرانية - عبر “حزب الله” - قد أدت إلى نتيجة غير مقصودة، عبر دفع الأوروبيين إلى رفع مستوى التأهب بدلاً من التراجع.
الخلاصة
استهداف قبرص لا يبدو خطوة معزولة، بل جزءاً من معركة الرسائل المتبادلة في حرب متعددة الساحات.
لكن حتى الآن، المؤشرات تدل على أن الهدف هو الضغط السياسي وخلط الأوراق - لا فتح جبهة أوروبية واسعة.
ويبقى السؤال مفتوحاً:
هل تبقى قبرص ساحة رسائل محدودة، أم تتحول إلى حلقة جديدة في سلسلة تصعيد يمتد من الخليج إلى شرق المتوسط؟



